ذَمُّ الظُّلمِ والنَّهيُ عنه
ذَمُّ الظُّلمِ والنَّهيُ عنه
أقسامُ الظُّلمِ
(الظُّلمُ ثَلاثةٌ:
الأوَّلُ: ظُلمٌ بَينَ الإنسانِ وبَينَ اللهِ تعالى، وأعظَمُه: الكُفرُ، والشِّركُ، والنِّفاقُ؛ ولذلك قال: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان: 13] ، وإيَّاه قَصدَ بقَولِه: أَلَا لَعْنةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمينَ [هود: 18] ، وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا [الإنسان: 31] ، في آيٍ كثيرةٍ، وقال: فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ [الزمر: 32] ، وَمَنْ أَظْلَمَ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا [الأنعام: 93] .
والثَّاني: ظُلمٌ بَينَه وبَينَ النَّاسِ، وإيَّاه قَصدَ بقَولِه: وَجَزَاءُ سَيِّئةٍ سَيِّئةٌ مِثْلُهَا إلى قَولِه: إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ الآية، وبقَولِه: إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ [الشورى: 42] ، وبقَولِه: وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا [الإسراء: 33] .
والثَّالثُ: ظُلمٌ بَينَه وبَينَ نَفسِه، وإيَّاه قَصدَ بقَولِه: فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ [فاطر: 32] ، إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ [النساء: 64] ، فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ [البقرة: 35] ، أي: مِن الظَّالمينَ أنفُسَهم وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ [البقرة: 231] . وكُلُّ هذه الثَّلاثةِ في الحَقيقةِ ظُلمٌ للنَّفسِ؛ فإنَّ الإنسانَ في أوَّلِ ما يَهُمُّ بالظُّلمِ فقد ظَلمَ نَفسَه، فإذًا الظَّالمُ أبَدًا مُبتَدِئٌ في الظُّلمِ؛ ولهذا قال تعالى في غَيرِ مَوضِعٍ: وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [النحل: 33] ، وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [البقرة: 57] ، وقَولُه: وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ [الأنعام:82] ) .
وقال ابنُ رَجَبٍ في أقسامِ الظُّلمِ: (وهو نَوعانِ: أحَدُهما: ظُلمُ النَّفسِ، وأعظَمُه الشِّركُ، كما قال تعالى: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان: 13] ؛ فإنَّ المُشرِكَ جَعل المَخلوقَ في مَنزِلةِ الخالقِ، فعَبدُه وتَألهَه، فهو وضعُ الأشياءِ في غَيرِ مَوضِعِها... ثُمَّ يليه المَعاصي على اختِلافِ أجناسِها مِن كبائِرَ وصَغائِرَ. والثَّاني: ظُلمُ العَبدِ لغَيرِه)
ذَمُّ الظُّلمِ والنَّهيُ عنه
أ - مِن القُرآنِ الكريمِ
- قولُه تعالى: وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ [هود: 102] .
- وقال: فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمةٌ فَهِيَ خَاوِيةٌ علَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ [الحج: 45] .
- وقولُه: وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا [الكهف: 59] .
- وقولُه: كَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيةٍ كَانَتْ ظَالِمةً وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ * فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ * لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعلَّكُمْ تُسْأَلُونَ * قَالُوا يَاوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ * فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ [الأنبياء: 11 - 15] .
- وقولُه: وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [البقرة: 258] .
- وقولُه: إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ [الأنعام: 21] .
- وقولُه: وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ [آل عمران: 57] .
- وقولُه: وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا [الإنسان: 31] .
- وقولُه: وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ [الحج: 53] .
- وقولُه: وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ علَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا [الفرقان: 27] .
- وقولُه: وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ [هود: 113] .
- وقولُه: وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ * مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ [إبراهيم: 42 - 43] .
- وقولُه تعالى: وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ [سبأ: 42] .
- وقولُه: مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ [غافر: 18] .
- وقولُه عزَّ وجَلَّ: وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ [البقرة: 270] .
- وقوله سُبحانَه: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا [النساء: 10] .
- وقولُه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا * وَمَنْ يَفْعلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ علَى اللَّهِ يَسِيرًا [النساء: 29-30] .
- وقولُه: إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ [التوبة: 36] .
- وقولُه: وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا علَى الظَّالِمِينَ [البقرة: 193] .
- وقولُه: وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ [الشعراء: 227] .
- وقوله سبحانه: وَجَزَاءُ سَيِّئةٍ سَيِّئةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ علَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ [الشورى: 40] .
- وقولُه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [الحجرات: 11] إلى غَيرِ ذلك مِن الآياتِ.
قال ابنُ رَجَبٍ: (وأكثَرُ ما ذُكِرَ في القُرآنِ مِن وعيدِ الظَّالمينَ إنَّما أُريدَ به المُشرِكونَ)
ب- مِن السُّنَّةِ النَّبَويَّةِ
1- عن أبي ذَرٍّ رَضِيَ اللهُ عنه قال: قال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((قال اللهُ تبارك وتعالى: يا عِبادي، إنِّي حَرَّمتُ الظُّلمَ على نَفسي، وجَعلتُه بَينَكم مُحَرَّمًا؛ فلا تَظالَموا...)) .
2-قال ابنُ تَيميَّةَ: (هذا الحَديثُ قد تَضَمَّنَ مِن قَواعِدِ الدِّينِ العَظيمةِ في العُلومِ والأعمالِ والأُصولِ والفُروعِ؛ فإنَّ تلك الجُملةَ الأولى وهي قَولُه: ((حَرَّمتُ الظُّلمَ على نَفسي)) يتَضَمَّنُ جُلَّ مَسائِل الصِّفاتِ والقَدَرِ إذا أُعطِيَت حَقَّها مِن التَّفسيرِ...، وأمَّا هذه الجُملةُ الثَّانيةُ، وهي قَولُه: ((وجَعلتُه بَينَكم مُحَرَّمًا؛ فلا تَظالَموا )). فإنَّها تَجمَعُ الدِّينَ كُلَّه؛ فإنَّ ما نَهى اللهُ عنه راجِعٌ إلى الظُّلمِ، وكُلُّ ما أمرَ به راجِعٌ إلى العَدلِ) .
3- وعن جابرِ بنِ عَبدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عنهما، أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((اتَّقوا الظُّلمَ؛ فإنَّ الظُّلمَ ظُلُماتٌ يومَ القيامةِ، واتَّقوا الشُّحَّ؛ فإنَّ الشُّحَّ أهلَك مَن كان قَبلَكم، حَملهم على أن سَفَكوا دِماءَهم، واستَحَلُّوا مَحارِمَهم)) .
4- وعن أبي موسى رَضِيَ اللهُ عنه قال: قال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((إنَّ اللهَ عَزَّ وجَل يُملي للظَّالمِ، فإذا أخَذَه لم يُفلِتْه. ثُمَّ قَرَأ وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ [هود: 102] )) .
قال ابنُ عُثَيمينَ: (... "يُملي له" يعني: يُمهلُ له حتَّى يتَمادى في ظُلمِه -والعِياذُ باللهِ-، فلا يُعَجِّلُ له العُقوبةَ، وهذا مِن البَلاءِ، نَسألُ اللهَ أن يُعيذَنا وإيَّاكم، فمن الاستِدراجِ أن يُمليَ للإنسانِ في ظُلمِه، فلا يُعاقَبَ له سَريعًا حتَّى تَتَكدَّسَ على الإنسانِ المَظالمُ، فإذا أخَذَه اللهُ لم يُفلِتْه، أخَذَه أخْذَ عَزيزٍ مُقتَدِرٍ، ثُمَّ قَرَأ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ [هود: 102] ؛ فعلى الإنسانِ الظَّالمِ ألَّا يغتَرَّ بنَفسِه، ولا بإملاءِ اللهِ له؛ فإنَّ ذلك مُصيبةٌ فوقَ مُصيبَتِه؛ لأنَّ الإنسانَ إذا عوقِبَ بالظُّلمِ عاجِلًا فرُبَّما يتَذَكَّرُ ويتَّعِظُ ويدَعُ الظُّلمَ، لكِن إذا أُمليَ له واكتَسَبَ آثامًا، أو ازدادَ ظُلمًا، ازدادَت عُقوبَتُه، والعياذُ باللهِ، فيُؤخَذُ على غِرَّةٍ، حتَّى إذا أخَذَه اللهُ لم يُفلِتْه) .
5- وعن عَبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهما أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((المُسلمُ أخو المُسلمِ، لا يَظلِمُه، ولا يُسلِمُه، ومَن كان في حاجةِ أخيه كان اللهُ في حاجَتِه، ومَن فرَّج عن مُسلمٍ كُربةً فرَّج اللهُ عنه كُربةً مِن كُرُباتِ يومِ القيامةِ، ومَن سَتَرَ مُسلِمًا سَتَرَه اللهُ يومَ القيامةِ)) .
قَولُه: ((لا يظلِمُه)) هو خَبَرٌ بمَعنى الأمرِ؛ فإنَّ ظُلمَ المُسلمِ للمُسلمِ حَرامٌ .
6- وعن أبي هُرَيرةَ رَضِيَ اللهُ عنه: أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((من كانت عِندَه مَظلَمةٌ لأخيه فلْيتَحَلَّلْه منها، فإنَّه ليس ثَمَّ دينارٌ ولا دِرهَمٌ، مِن قَبلِ أن يُؤخَذَ لأخيه مِن حَسَناتِه، فإنْ لم يكُنْ له حَسَناتٌ أُخِذَ مِن سَيِّئاتِ أخيه، فطُرِحَت عليه)) .
وفي روايةٍ: ((مَن كانت له مَظلَمةٌ لأخيه مِن عِرضِه أو شَيءٍ، فلْيتَحَلَّلْه مِنه اليومَ...)) .
قَولُه: ((مَظلَمةٌ)) هي اسمٌ لِما أخَذَه المَرءُ بغَيرِ حَقٍّ، وقَولُه: ((مِن عِرضِه)) بَيانٌ للمَظلمةِ، وعِرضُ الرَّجُلِ: مَوضِعُ المَدحِ والذَّمِّ مِنه، سَواءٌ كان في نَفسِه أو في سَلفِه أو مَن يلزَمُه أمرُه، وقيل: هو جانِبُه الذي يصونُه مِن نَفسِه ونَسَبِه وحَسَبِه، ويُحامي عنه أن يُنتَقَصَ. قَولُه: ((أو شَيءٍ)) ، أي: مِن الأشياءِ، أي: أمرٍ آخَرَ كأخذِ مالِه أو المَنعِ مِن الانتِفاعِ به، والجِراحاتِ، حتَّى اللَّطمةِ ونَحوِها، وهو مِن عِطفِ العامِّ على الخاصِّ، قَولُه: ((فلْيتَحَلَّلْه)) أي: ليسأَلْه أن يجعَلَه في حِلٍّ، وليطلُبْ مِنه بَراءةَ ذِمَّتِه قَبلَ يومِ القيامةِ .
والمَظالمُ إمَّا أن تَكونَ في النَّفسِ، أو المالِ، أو العِرضِ:
فإن كانت في النَّفسِ مِثلُ أن يكونَ قد جَنى عليه، أو ضَرَبَه حتَّى جَرَحَه، أو قَطعَ عُضوًا مِن أعضائِه، أو قَتَل له قَتيلًا، فإنَّه يتَحَلَّلُ مِنه بأن يُمكِّنَ صاحِبَ الحَقِّ مِن القِصاصِ، أو مِن بَذلِ الدِّيةِ إذا لم يكُنِ القِصاصُ. أمَّا إن كانت في المالِ، فالواجِبُ أن يُعطيه صاحِبَه، فإن غابَ عنه ولم يعرِفْ مَكانَه وأيِسَ مِنه فإنَّه يتَصَدَّقُ به عنه، وإن كان قد ماتَ -أي صاحِبُ الحَقِّ- فإنَّه يوصِلُه إلى ورَثَتِه.
أمَّا إن كانت في العِرضِ، مِثلُ أن يكونَ قد سَبَّه أو اغتابَه، فلا بُدَّ أن يتَحَلَّلَ منه إذا كان المَظلومُ قد عَلِمَ بأنَّه سَبَّه أو اغتابَه، فيذهَبُ إليه ويعتَذِرُ، فإن عَذرَه فهذا مِن نِعمةِ اللهِ على الجَميعِ، وإن أبى فإنَّ اللهَ تعالى إذا عَلِمَ أنَّ تَوبةَ الظَّالمِ تَوبةٌ حَقيقيَّةٌ، فإنَّه سُبحانَه وتعالى يُرضي المَظلومَ يومَ القيامةِ.
وقال بَعضُ العُلماءِ في مَسألةِ العِرْضِ: إن كان المَظلومُ لم يعلَمْ فلا حاجةَ أن يُعلِمَه، ولكِن يستَغفِرُ له ويدعو له، ويُثني عليه بالخَيرِ في المَجالسِ التي كان يسُبُّه فيها، وبذلك يتَحَلَّلُ منه، ألَا إنَّ الأمرَ خَطيرٌ، وحُقوقُ النَّاسِ لا بُدَّ أن تُعطى لهم، إمَّا في الدُّنيا وإمَّا في الآخِرةِ
ج- مِن أقوالِ السَّلَفِ والعُلماءِ
- قال مُعاويةُ بنُ أبي سُفيانَ رَضِيَ اللهُ عنهما: (إنِّي لأستَحي أن أظلِمَ مَن لا يجِدُ عليَّ ناصِرًا إلَّا اللهَ) .
- وقال رَجُلٌ عِندَ أبي هُرَيرةَ رَضِيَ اللهُ عنه: إنَّ الظَّالمَ لا يَظلِمُ إلَّا نَفسَه، فقال أبو هرَيرةَ: (كذَبتَ، والذي نَفسُ أبي هرَيرةَ بيدِه، إنَّ الحُبارى لتموتُ في وَكرِها مِن ظُلمِ الظَّالمِ!) .
- وعن عَبدِ اللهِ بنِ سَلمةَ قال: (قال رَجُلٌ لمُعاذٍ: علِّمْني، قال: وهَل أنتَ مُطيعي؟ قال: إنِّي على طاعَتِك لحَريصٌ، قال: صُمْ وأفطِرْ، وصَلِّ ونَمْ، واكتَسِبْ ولا تَأثمْ، ولا تَموتَنَّ إلَّا وأنتَ مُسلمٌ، وإيَّاك ودَعوةَ المَظلومِ) .
- (وكتَبَ إلى عُمَرَ بنِ عَبدِ العَزيزِ رَحِمَه اللهُ بَعضُ عُمَّالِه يستَأذِنُه في تَحصينِ مَدينَتِه. فكتَبَ إليه: حَصِّنْها بالعَدلِ، ونَقِّ طُرُقَها مِن الظُّلمِ) .
- و(كتَبَ عُمَرُ بنُ عَبدِ العَزيزِ إلى بَعضِ عُمَّالِه: أمَّا بَعدُ، فإذا دَعَتك قُدرَتُك على النَّاسِ إلى ظُلمِهم، فاذكُر قُدرةَ اللهِ تعالى عليك، ونَفادَ ما تَأتي إليهم، وبَقاءَ ما يأتونَ إليك) .
- (ودَخَل طاوُسٌ اليمانيُّ على هشامِ بنِ عَبدِ المَلكِ، فقال له: اتَّقِ يومَ الأذانِ، قال هشامٌ: وما يومُ الأذانِ؟! قال: قَولُه تعالى: فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ [الأعراف: 44] ، فصَعِقَ هشامٌ! فقال طاوُسٌ: هذا ذُلُّ الصِّفةِ، فكيف المُعاينةُ؟) .
- وقال أبو عُبَيدِ اللهِ الوزيرُ، سَمِعتُ أبا جَعفرٍ أميرَ المُؤمِنينَ المَنصورَ يقولُ لابنِه المَهديِّ أميرِ المُؤمِنينَ: (يا أبا عَبدِ اللهِ، إذا أرَدتَ أمرًا ففَكِّرْ فيه؛ فإنَّ فِكرةَ العاقِلِ مِرآتُه تُريه حَسَنَه وسَيِّئَه، يا أبا عَبدِ اللهِ، الخَليفةُ لا يُصلِحُه إلَّا التَّقوى، والسُّلطانُ لا يُصلِحُه إلَّا الطَّاعةُ، والرَّعيَّةُ لا يُصلِحُها إلَّا العَدلُ، وأعظَمُ النَّاسِ عَفوًا أقدَرُهم على العُقوبةِ، وأنقَصُ النَّاسِ عَقلًا مَن ظَلمَ مَن هو دونَه) .
- (وقال المَهديُّ للرَّبيعِ بنِ أبي الجَهمِ، وهو والي أرضِ فارِسَ: يا رَبيعُ، آثِرِ الحَقَّ، والزَمِ القَصدَ، وابسُطِ العَدلَ، وارفُقْ بالرَّعيَّةِ، واعلَمْ أنَّ أعدَلَ النَّاسِ مَن أنصَفَ مِن نَفسِه، وأظلَمَهم مَن ظَلمَ النَّاسَ لغَيرِه) .
- وكان شُرَيحٌ القاضي يقولُ: (سَيعلمُ الظَّالمونَ حَقَّ مَن انتَقَصوا، إنَّ الظَّالمَ لينتَظِرُ العِقابَ، والمَظلومُ ينتَظِرُ النَّصرَ والثَّوابَ) .
- وقال مَيمونُ بنُ مِهرانَ: (إنَّ الرَّجُل يقرَأُ القُرآنَ وهو يلعنُ نَفسَه. قيل له: وكيف يلعنُ نَفسُه؟! قال: يقولُ: أَلَا لَعْنةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ [ هود: 18] ، وهو ظالِمٌ!) .
- وقال جَعفرُ بنُ يحيى: (الخَراجُ عَمودُ المُلكِ، وما استَغزَرَ بمِثل العَدلِ، وما استَنزَرَ بمِثلِ الظُّلمِ) .
- وقال مُبارَكٌ أبو حَمَّادٍ: سَمِعتُ سُفيانَ الثَّوريَّ يقرَأُ على عليِّ بنِ الحَسَنِ السُّليميِّ: (يا أخي، لا تَغبِطْ أهلَ الشَّهَواتِ بشَهَواتِهم، ولا ما يتَقَلَّبونَ فيه مِن النِّعمةِ؛ فإنَّ أمامَهم يومًا تَزِلُّ فيه الأقدامُ، وتَرعَدُ فيه الأجسامُ، وتَتَغَيَّرُ فيه الألوانُ، ويطولُ فيه القيامُ، ويشتَدُّ فيه الحِسابُ، وتَتَطايرُ فيه القُلوبُ حتَّى تَبلُغَ الحَناجِرَ، فيا لها مِن نَدامةٍ على ما أصابوا مِن هذه الشَّهَواتِ!... وإيَّاك والظُّلمَ، وأن تَكونَ عَونًا للظَّالمِ، وأن تَصحَبَه أو تُؤاكِلَه أو تَبتَسِمَ في وَجهِه، أو تَنالَ مِنه شَيئًا؛ فتَكونَ عَونًا له، والعَونُ شَريكٌ، لا تَخالفِنَّ أهلَ التَّقوى، ولا تُخادِنْ أهلَ الخَطايا، ولا تُجالِسْ أهلَ المَعاصي، واجتَنِبِ المَحارِمَ كُلَّها، واتَّقِ أهلَها) .
- وعن سَعيدِ بنِ عَبدِ العَزيزِ قال: (مَن أحسَنَ فلْيَرجُ الثَّوابَ، ومَن أساءَ فلا يستَنكِرِ الجَزاءَ، ومَن أخَذَ عِزًّا بغَيرِ حَقٍّ أورَثَه اللهُ ذُلًّا بحَقٍّ، ومَن جَمَعَ مالًا بظُلمٍ أورَثَه اللهُ فقرًا بغَيرِ ظُلمٍ) .
- (وبَكى عليُّ بنُ الفُضَيلِ يومًا، فقيل له: ما يُبكيك؟ قال: أبكي على مَن ظَلمَني إذا وقف غَدًا بَينَ يدَيِ اللهِ تعالى ولم تَكُنْ له حُجَّةٌ) .
- وقال أبو الوليدِ الباجيُّ لولدَيه: (... إيَّاكما والظُّلمَ؛ فإنَّ الظُّلمَ ظُلُماتٌ يومَ القيامةِ، والظَّالمُ مَذمومُ الخَلائِقِ، مُبغَضٌ إلى الخَلائِقِ) .
- وقال بَعضُ السَّلَفِ: (لا تَظلمِنَّ الضُّعَفاءَ فتكُنْ مِن شِرارِ الأقوياءِ)
آثارُ الظُّلمِ
1- الظَّالمُ مَصروفٌ عن الهدايةِ:
قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [المائدة: 51] .
2- الظَّالمُ لا يُفلِحُ أبَدًا:
قال تعالى: إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ [الأنعام: 21] .
3- الظَّالمُ عليه اللَّعنةُ مِن اللهِ:
يقولُ اللهُ عَزَّ وجَلَّ: يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ [غافر: 52] .
4- الظَّالمُ يُحرَمُ مِن الشَّفاعةِ:
قال تعالى: مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ [غافر: 18] .
5- تُصيبُه دَعوةُ المَظلومِ ولا تُخطِئُه:
قال عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: ((واتَّقِ دَعوةَ المَظلومِ؛ فإنَّه ليس بَينَها وبَينَ الله حِجابٌ)) .
6- بالظُّلمِ يرتَفِعُ الأمنُ:
قال اللهُ تعالى: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ [الأنعام: 82] . عن عَبدِ اللهِ بنِ مَسعودٍ رَضِيَ اللهُ عنه، قال: ((لمَّا نَزَلت هذه الآيةُ: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ ... [الأنعام: 82] شَقَّ ذلك على أصحابِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وقالوا: أيُّنا لم يَظلِمْ نَفسَه؟ فقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ليس كما تَظُنُّونَ، إنَّما هو كما قال لُقمانُ لابنِه: يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ )) .
7- الظُّلمُ سَبَبٌ للبَلاءِ والعِقابِ:
قال تعالى: فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمةٌ فَهِيَ خَاوِيةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ [الحج: 45] ، وقال تعالى: وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ [هود: 102] ، وقال سُبحانَه: وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا [الكهف: 59] .
8- الظُّلمُ سَبَبٌ للخَرابِ؛ قال تعالى: وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ * فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ * فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ [النمل: 50 - 52] . وفي هذا دَليلٌ على أنَّ الظُّلمَ يورِثُ أهلَه الهَلاكَ، ويُعقِبُ ديارَهم الخَرابَ؛ فاللهُ تعالى لمَّا خَصَّ عَمَلَهم بوصفِ الظُّلمِ مِن بَينِ عِدَّةِ أحوالٍ يشتَمِلُ عليها كُفرُهم، كالفسادِ، كان ذلك إشارةً إلى أنَّ للظُّلمِ أثَرًا في خَرابِ بلادِهم .
ويُروى أنَّ رَجُلًا مِن أهلِ الكِتابِ قال لابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهما: إنَّ في التَّوراةِ: مَن يظلِمْ يخرَبْ بَيتَه، فقال ابنُ عَبَّاسٍ: (وهذا في القُرآنِ؛ قال الله تعالى: فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ [النمل: 52 - 53] .
وقال ابنُ خَلدونَ: (الظُّلمُ مُؤذِنٌ بخَرابِ العُمرانِ) .
9- الظُّلمُ عاقِبَتُه النَّارُ:
عن خَولةَ الأنصاريَّةِ رَضِيَ اللهُ عنها قالت: سَمِعتُ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يقولُ: ((إنَّ رِجالًا يتَخوَّضونَ في مالِ اللهِ بغَيرِ حَقٍّ، فلهم النَّارُ يومَ القيامةِ)) ، قال ابنُ حَجَرٍ: (قَولُه: يتَخوَّضونَ - بالمُعجَمَتينِ- في مالِ اللهِ بغَيرِ حَقٍّ، أي: يتَصَرَّفونَ في مالِ المُسلمينَ بالباطِلِ) .
10- الظُّلمُ يُؤَدِّي إلى العَداوةِ والبَغضاءِ.
11 - الظُّلمُ يتَسَبَّبُ في عَدَمِ انتِظامِ مَصالحِ الخَلقِ.
الدرر السنية
أقسامُ الظُّلمِ
(الظُّلمُ ثَلاثةٌ:
الأوَّلُ: ظُلمٌ بَينَ الإنسانِ وبَينَ اللهِ تعالى، وأعظَمُه: الكُفرُ، والشِّركُ، والنِّفاقُ؛ ولذلك قال: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان: 13] ، وإيَّاه قَصدَ بقَولِه: أَلَا لَعْنةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمينَ [هود: 18] ، وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا [الإنسان: 31] ، في آيٍ كثيرةٍ، وقال: فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ [الزمر: 32] ، وَمَنْ أَظْلَمَ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا [الأنعام: 93] .
والثَّاني: ظُلمٌ بَينَه وبَينَ النَّاسِ، وإيَّاه قَصدَ بقَولِه: وَجَزَاءُ سَيِّئةٍ سَيِّئةٌ مِثْلُهَا إلى قَولِه: إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ الآية، وبقَولِه: إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ [الشورى: 42] ، وبقَولِه: وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا [الإسراء: 33] .
والثَّالثُ: ظُلمٌ بَينَه وبَينَ نَفسِه، وإيَّاه قَصدَ بقَولِه: فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ [فاطر: 32] ، إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ [النساء: 64] ، فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ [البقرة: 35] ، أي: مِن الظَّالمينَ أنفُسَهم وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ [البقرة: 231] . وكُلُّ هذه الثَّلاثةِ في الحَقيقةِ ظُلمٌ للنَّفسِ؛ فإنَّ الإنسانَ في أوَّلِ ما يَهُمُّ بالظُّلمِ فقد ظَلمَ نَفسَه، فإذًا الظَّالمُ أبَدًا مُبتَدِئٌ في الظُّلمِ؛ ولهذا قال تعالى في غَيرِ مَوضِعٍ: وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [النحل: 33] ، وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [البقرة: 57] ، وقَولُه: وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ [الأنعام:82] ) .
وقال ابنُ رَجَبٍ في أقسامِ الظُّلمِ: (وهو نَوعانِ: أحَدُهما: ظُلمُ النَّفسِ، وأعظَمُه الشِّركُ، كما قال تعالى: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان: 13] ؛ فإنَّ المُشرِكَ جَعل المَخلوقَ في مَنزِلةِ الخالقِ، فعَبدُه وتَألهَه، فهو وضعُ الأشياءِ في غَيرِ مَوضِعِها... ثُمَّ يليه المَعاصي على اختِلافِ أجناسِها مِن كبائِرَ وصَغائِرَ. والثَّاني: ظُلمُ العَبدِ لغَيرِه)
ذَمُّ الظُّلمِ والنَّهيُ عنه
أ - مِن القُرآنِ الكريمِ
- قولُه تعالى: وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ [هود: 102] .
- وقال: فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمةٌ فَهِيَ خَاوِيةٌ علَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ [الحج: 45] .
- وقولُه: وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا [الكهف: 59] .
- وقولُه: كَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيةٍ كَانَتْ ظَالِمةً وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ * فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ * لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعلَّكُمْ تُسْأَلُونَ * قَالُوا يَاوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ * فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ [الأنبياء: 11 - 15] .
- وقولُه: وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [البقرة: 258] .
- وقولُه: إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ [الأنعام: 21] .
- وقولُه: وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ [آل عمران: 57] .
- وقولُه: وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا [الإنسان: 31] .
- وقولُه: وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ [الحج: 53] .
- وقولُه: وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ علَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا [الفرقان: 27] .
- وقولُه: وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ [هود: 113] .
- وقولُه: وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ * مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ [إبراهيم: 42 - 43] .
- وقولُه تعالى: وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ [سبأ: 42] .
- وقولُه: مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ [غافر: 18] .
- وقولُه عزَّ وجَلَّ: وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ [البقرة: 270] .
- وقوله سُبحانَه: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا [النساء: 10] .
- وقولُه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا * وَمَنْ يَفْعلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ علَى اللَّهِ يَسِيرًا [النساء: 29-30] .
- وقولُه: إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ [التوبة: 36] .
- وقولُه: وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا علَى الظَّالِمِينَ [البقرة: 193] .
- وقولُه: وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ [الشعراء: 227] .
- وقوله سبحانه: وَجَزَاءُ سَيِّئةٍ سَيِّئةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ علَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ [الشورى: 40] .
- وقولُه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [الحجرات: 11] إلى غَيرِ ذلك مِن الآياتِ.
قال ابنُ رَجَبٍ: (وأكثَرُ ما ذُكِرَ في القُرآنِ مِن وعيدِ الظَّالمينَ إنَّما أُريدَ به المُشرِكونَ)
ب- مِن السُّنَّةِ النَّبَويَّةِ
1- عن أبي ذَرٍّ رَضِيَ اللهُ عنه قال: قال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((قال اللهُ تبارك وتعالى: يا عِبادي، إنِّي حَرَّمتُ الظُّلمَ على نَفسي، وجَعلتُه بَينَكم مُحَرَّمًا؛ فلا تَظالَموا...)) .
2-قال ابنُ تَيميَّةَ: (هذا الحَديثُ قد تَضَمَّنَ مِن قَواعِدِ الدِّينِ العَظيمةِ في العُلومِ والأعمالِ والأُصولِ والفُروعِ؛ فإنَّ تلك الجُملةَ الأولى وهي قَولُه: ((حَرَّمتُ الظُّلمَ على نَفسي)) يتَضَمَّنُ جُلَّ مَسائِل الصِّفاتِ والقَدَرِ إذا أُعطِيَت حَقَّها مِن التَّفسيرِ...، وأمَّا هذه الجُملةُ الثَّانيةُ، وهي قَولُه: ((وجَعلتُه بَينَكم مُحَرَّمًا؛ فلا تَظالَموا )). فإنَّها تَجمَعُ الدِّينَ كُلَّه؛ فإنَّ ما نَهى اللهُ عنه راجِعٌ إلى الظُّلمِ، وكُلُّ ما أمرَ به راجِعٌ إلى العَدلِ) .
3- وعن جابرِ بنِ عَبدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عنهما، أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((اتَّقوا الظُّلمَ؛ فإنَّ الظُّلمَ ظُلُماتٌ يومَ القيامةِ، واتَّقوا الشُّحَّ؛ فإنَّ الشُّحَّ أهلَك مَن كان قَبلَكم، حَملهم على أن سَفَكوا دِماءَهم، واستَحَلُّوا مَحارِمَهم)) .
4- وعن أبي موسى رَضِيَ اللهُ عنه قال: قال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((إنَّ اللهَ عَزَّ وجَل يُملي للظَّالمِ، فإذا أخَذَه لم يُفلِتْه. ثُمَّ قَرَأ وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ [هود: 102] )) .
قال ابنُ عُثَيمينَ: (... "يُملي له" يعني: يُمهلُ له حتَّى يتَمادى في ظُلمِه -والعِياذُ باللهِ-، فلا يُعَجِّلُ له العُقوبةَ، وهذا مِن البَلاءِ، نَسألُ اللهَ أن يُعيذَنا وإيَّاكم، فمن الاستِدراجِ أن يُمليَ للإنسانِ في ظُلمِه، فلا يُعاقَبَ له سَريعًا حتَّى تَتَكدَّسَ على الإنسانِ المَظالمُ، فإذا أخَذَه اللهُ لم يُفلِتْه، أخَذَه أخْذَ عَزيزٍ مُقتَدِرٍ، ثُمَّ قَرَأ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ [هود: 102] ؛ فعلى الإنسانِ الظَّالمِ ألَّا يغتَرَّ بنَفسِه، ولا بإملاءِ اللهِ له؛ فإنَّ ذلك مُصيبةٌ فوقَ مُصيبَتِه؛ لأنَّ الإنسانَ إذا عوقِبَ بالظُّلمِ عاجِلًا فرُبَّما يتَذَكَّرُ ويتَّعِظُ ويدَعُ الظُّلمَ، لكِن إذا أُمليَ له واكتَسَبَ آثامًا، أو ازدادَ ظُلمًا، ازدادَت عُقوبَتُه، والعياذُ باللهِ، فيُؤخَذُ على غِرَّةٍ، حتَّى إذا أخَذَه اللهُ لم يُفلِتْه) .
5- وعن عَبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهما أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((المُسلمُ أخو المُسلمِ، لا يَظلِمُه، ولا يُسلِمُه، ومَن كان في حاجةِ أخيه كان اللهُ في حاجَتِه، ومَن فرَّج عن مُسلمٍ كُربةً فرَّج اللهُ عنه كُربةً مِن كُرُباتِ يومِ القيامةِ، ومَن سَتَرَ مُسلِمًا سَتَرَه اللهُ يومَ القيامةِ)) .
قَولُه: ((لا يظلِمُه)) هو خَبَرٌ بمَعنى الأمرِ؛ فإنَّ ظُلمَ المُسلمِ للمُسلمِ حَرامٌ .
6- وعن أبي هُرَيرةَ رَضِيَ اللهُ عنه: أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((من كانت عِندَه مَظلَمةٌ لأخيه فلْيتَحَلَّلْه منها، فإنَّه ليس ثَمَّ دينارٌ ولا دِرهَمٌ، مِن قَبلِ أن يُؤخَذَ لأخيه مِن حَسَناتِه، فإنْ لم يكُنْ له حَسَناتٌ أُخِذَ مِن سَيِّئاتِ أخيه، فطُرِحَت عليه)) .
وفي روايةٍ: ((مَن كانت له مَظلَمةٌ لأخيه مِن عِرضِه أو شَيءٍ، فلْيتَحَلَّلْه مِنه اليومَ...)) .
قَولُه: ((مَظلَمةٌ)) هي اسمٌ لِما أخَذَه المَرءُ بغَيرِ حَقٍّ، وقَولُه: ((مِن عِرضِه)) بَيانٌ للمَظلمةِ، وعِرضُ الرَّجُلِ: مَوضِعُ المَدحِ والذَّمِّ مِنه، سَواءٌ كان في نَفسِه أو في سَلفِه أو مَن يلزَمُه أمرُه، وقيل: هو جانِبُه الذي يصونُه مِن نَفسِه ونَسَبِه وحَسَبِه، ويُحامي عنه أن يُنتَقَصَ. قَولُه: ((أو شَيءٍ)) ، أي: مِن الأشياءِ، أي: أمرٍ آخَرَ كأخذِ مالِه أو المَنعِ مِن الانتِفاعِ به، والجِراحاتِ، حتَّى اللَّطمةِ ونَحوِها، وهو مِن عِطفِ العامِّ على الخاصِّ، قَولُه: ((فلْيتَحَلَّلْه)) أي: ليسأَلْه أن يجعَلَه في حِلٍّ، وليطلُبْ مِنه بَراءةَ ذِمَّتِه قَبلَ يومِ القيامةِ .
والمَظالمُ إمَّا أن تَكونَ في النَّفسِ، أو المالِ، أو العِرضِ:
فإن كانت في النَّفسِ مِثلُ أن يكونَ قد جَنى عليه، أو ضَرَبَه حتَّى جَرَحَه، أو قَطعَ عُضوًا مِن أعضائِه، أو قَتَل له قَتيلًا، فإنَّه يتَحَلَّلُ مِنه بأن يُمكِّنَ صاحِبَ الحَقِّ مِن القِصاصِ، أو مِن بَذلِ الدِّيةِ إذا لم يكُنِ القِصاصُ. أمَّا إن كانت في المالِ، فالواجِبُ أن يُعطيه صاحِبَه، فإن غابَ عنه ولم يعرِفْ مَكانَه وأيِسَ مِنه فإنَّه يتَصَدَّقُ به عنه، وإن كان قد ماتَ -أي صاحِبُ الحَقِّ- فإنَّه يوصِلُه إلى ورَثَتِه.
أمَّا إن كانت في العِرضِ، مِثلُ أن يكونَ قد سَبَّه أو اغتابَه، فلا بُدَّ أن يتَحَلَّلَ منه إذا كان المَظلومُ قد عَلِمَ بأنَّه سَبَّه أو اغتابَه، فيذهَبُ إليه ويعتَذِرُ، فإن عَذرَه فهذا مِن نِعمةِ اللهِ على الجَميعِ، وإن أبى فإنَّ اللهَ تعالى إذا عَلِمَ أنَّ تَوبةَ الظَّالمِ تَوبةٌ حَقيقيَّةٌ، فإنَّه سُبحانَه وتعالى يُرضي المَظلومَ يومَ القيامةِ.
وقال بَعضُ العُلماءِ في مَسألةِ العِرْضِ: إن كان المَظلومُ لم يعلَمْ فلا حاجةَ أن يُعلِمَه، ولكِن يستَغفِرُ له ويدعو له، ويُثني عليه بالخَيرِ في المَجالسِ التي كان يسُبُّه فيها، وبذلك يتَحَلَّلُ منه، ألَا إنَّ الأمرَ خَطيرٌ، وحُقوقُ النَّاسِ لا بُدَّ أن تُعطى لهم، إمَّا في الدُّنيا وإمَّا في الآخِرةِ
ج- مِن أقوالِ السَّلَفِ والعُلماءِ
- قال مُعاويةُ بنُ أبي سُفيانَ رَضِيَ اللهُ عنهما: (إنِّي لأستَحي أن أظلِمَ مَن لا يجِدُ عليَّ ناصِرًا إلَّا اللهَ) .
- وقال رَجُلٌ عِندَ أبي هُرَيرةَ رَضِيَ اللهُ عنه: إنَّ الظَّالمَ لا يَظلِمُ إلَّا نَفسَه، فقال أبو هرَيرةَ: (كذَبتَ، والذي نَفسُ أبي هرَيرةَ بيدِه، إنَّ الحُبارى لتموتُ في وَكرِها مِن ظُلمِ الظَّالمِ!) .
- وعن عَبدِ اللهِ بنِ سَلمةَ قال: (قال رَجُلٌ لمُعاذٍ: علِّمْني، قال: وهَل أنتَ مُطيعي؟ قال: إنِّي على طاعَتِك لحَريصٌ، قال: صُمْ وأفطِرْ، وصَلِّ ونَمْ، واكتَسِبْ ولا تَأثمْ، ولا تَموتَنَّ إلَّا وأنتَ مُسلمٌ، وإيَّاك ودَعوةَ المَظلومِ) .
- (وكتَبَ إلى عُمَرَ بنِ عَبدِ العَزيزِ رَحِمَه اللهُ بَعضُ عُمَّالِه يستَأذِنُه في تَحصينِ مَدينَتِه. فكتَبَ إليه: حَصِّنْها بالعَدلِ، ونَقِّ طُرُقَها مِن الظُّلمِ) .
- و(كتَبَ عُمَرُ بنُ عَبدِ العَزيزِ إلى بَعضِ عُمَّالِه: أمَّا بَعدُ، فإذا دَعَتك قُدرَتُك على النَّاسِ إلى ظُلمِهم، فاذكُر قُدرةَ اللهِ تعالى عليك، ونَفادَ ما تَأتي إليهم، وبَقاءَ ما يأتونَ إليك) .
- (ودَخَل طاوُسٌ اليمانيُّ على هشامِ بنِ عَبدِ المَلكِ، فقال له: اتَّقِ يومَ الأذانِ، قال هشامٌ: وما يومُ الأذانِ؟! قال: قَولُه تعالى: فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ [الأعراف: 44] ، فصَعِقَ هشامٌ! فقال طاوُسٌ: هذا ذُلُّ الصِّفةِ، فكيف المُعاينةُ؟) .
- وقال أبو عُبَيدِ اللهِ الوزيرُ، سَمِعتُ أبا جَعفرٍ أميرَ المُؤمِنينَ المَنصورَ يقولُ لابنِه المَهديِّ أميرِ المُؤمِنينَ: (يا أبا عَبدِ اللهِ، إذا أرَدتَ أمرًا ففَكِّرْ فيه؛ فإنَّ فِكرةَ العاقِلِ مِرآتُه تُريه حَسَنَه وسَيِّئَه، يا أبا عَبدِ اللهِ، الخَليفةُ لا يُصلِحُه إلَّا التَّقوى، والسُّلطانُ لا يُصلِحُه إلَّا الطَّاعةُ، والرَّعيَّةُ لا يُصلِحُها إلَّا العَدلُ، وأعظَمُ النَّاسِ عَفوًا أقدَرُهم على العُقوبةِ، وأنقَصُ النَّاسِ عَقلًا مَن ظَلمَ مَن هو دونَه) .
- (وقال المَهديُّ للرَّبيعِ بنِ أبي الجَهمِ، وهو والي أرضِ فارِسَ: يا رَبيعُ، آثِرِ الحَقَّ، والزَمِ القَصدَ، وابسُطِ العَدلَ، وارفُقْ بالرَّعيَّةِ، واعلَمْ أنَّ أعدَلَ النَّاسِ مَن أنصَفَ مِن نَفسِه، وأظلَمَهم مَن ظَلمَ النَّاسَ لغَيرِه) .
- وكان شُرَيحٌ القاضي يقولُ: (سَيعلمُ الظَّالمونَ حَقَّ مَن انتَقَصوا، إنَّ الظَّالمَ لينتَظِرُ العِقابَ، والمَظلومُ ينتَظِرُ النَّصرَ والثَّوابَ) .
- وقال مَيمونُ بنُ مِهرانَ: (إنَّ الرَّجُل يقرَأُ القُرآنَ وهو يلعنُ نَفسَه. قيل له: وكيف يلعنُ نَفسُه؟! قال: يقولُ: أَلَا لَعْنةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ [ هود: 18] ، وهو ظالِمٌ!) .
- وقال جَعفرُ بنُ يحيى: (الخَراجُ عَمودُ المُلكِ، وما استَغزَرَ بمِثل العَدلِ، وما استَنزَرَ بمِثلِ الظُّلمِ) .
- وقال مُبارَكٌ أبو حَمَّادٍ: سَمِعتُ سُفيانَ الثَّوريَّ يقرَأُ على عليِّ بنِ الحَسَنِ السُّليميِّ: (يا أخي، لا تَغبِطْ أهلَ الشَّهَواتِ بشَهَواتِهم، ولا ما يتَقَلَّبونَ فيه مِن النِّعمةِ؛ فإنَّ أمامَهم يومًا تَزِلُّ فيه الأقدامُ، وتَرعَدُ فيه الأجسامُ، وتَتَغَيَّرُ فيه الألوانُ، ويطولُ فيه القيامُ، ويشتَدُّ فيه الحِسابُ، وتَتَطايرُ فيه القُلوبُ حتَّى تَبلُغَ الحَناجِرَ، فيا لها مِن نَدامةٍ على ما أصابوا مِن هذه الشَّهَواتِ!... وإيَّاك والظُّلمَ، وأن تَكونَ عَونًا للظَّالمِ، وأن تَصحَبَه أو تُؤاكِلَه أو تَبتَسِمَ في وَجهِه، أو تَنالَ مِنه شَيئًا؛ فتَكونَ عَونًا له، والعَونُ شَريكٌ، لا تَخالفِنَّ أهلَ التَّقوى، ولا تُخادِنْ أهلَ الخَطايا، ولا تُجالِسْ أهلَ المَعاصي، واجتَنِبِ المَحارِمَ كُلَّها، واتَّقِ أهلَها) .
- وعن سَعيدِ بنِ عَبدِ العَزيزِ قال: (مَن أحسَنَ فلْيَرجُ الثَّوابَ، ومَن أساءَ فلا يستَنكِرِ الجَزاءَ، ومَن أخَذَ عِزًّا بغَيرِ حَقٍّ أورَثَه اللهُ ذُلًّا بحَقٍّ، ومَن جَمَعَ مالًا بظُلمٍ أورَثَه اللهُ فقرًا بغَيرِ ظُلمٍ) .
- (وبَكى عليُّ بنُ الفُضَيلِ يومًا، فقيل له: ما يُبكيك؟ قال: أبكي على مَن ظَلمَني إذا وقف غَدًا بَينَ يدَيِ اللهِ تعالى ولم تَكُنْ له حُجَّةٌ) .
- وقال أبو الوليدِ الباجيُّ لولدَيه: (... إيَّاكما والظُّلمَ؛ فإنَّ الظُّلمَ ظُلُماتٌ يومَ القيامةِ، والظَّالمُ مَذمومُ الخَلائِقِ، مُبغَضٌ إلى الخَلائِقِ) .
- وقال بَعضُ السَّلَفِ: (لا تَظلمِنَّ الضُّعَفاءَ فتكُنْ مِن شِرارِ الأقوياءِ)
آثارُ الظُّلمِ
1- الظَّالمُ مَصروفٌ عن الهدايةِ:
قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [المائدة: 51] .
2- الظَّالمُ لا يُفلِحُ أبَدًا:
قال تعالى: إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ [الأنعام: 21] .
3- الظَّالمُ عليه اللَّعنةُ مِن اللهِ:
يقولُ اللهُ عَزَّ وجَلَّ: يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ [غافر: 52] .
4- الظَّالمُ يُحرَمُ مِن الشَّفاعةِ:
قال تعالى: مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ [غافر: 18] .
5- تُصيبُه دَعوةُ المَظلومِ ولا تُخطِئُه:
قال عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: ((واتَّقِ دَعوةَ المَظلومِ؛ فإنَّه ليس بَينَها وبَينَ الله حِجابٌ)) .
6- بالظُّلمِ يرتَفِعُ الأمنُ:
قال اللهُ تعالى: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ [الأنعام: 82] . عن عَبدِ اللهِ بنِ مَسعودٍ رَضِيَ اللهُ عنه، قال: ((لمَّا نَزَلت هذه الآيةُ: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ ... [الأنعام: 82] شَقَّ ذلك على أصحابِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وقالوا: أيُّنا لم يَظلِمْ نَفسَه؟ فقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ليس كما تَظُنُّونَ، إنَّما هو كما قال لُقمانُ لابنِه: يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ )) .
7- الظُّلمُ سَبَبٌ للبَلاءِ والعِقابِ:
قال تعالى: فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمةٌ فَهِيَ خَاوِيةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ [الحج: 45] ، وقال تعالى: وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ [هود: 102] ، وقال سُبحانَه: وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا [الكهف: 59] .
8- الظُّلمُ سَبَبٌ للخَرابِ؛ قال تعالى: وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ * فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ * فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ [النمل: 50 - 52] . وفي هذا دَليلٌ على أنَّ الظُّلمَ يورِثُ أهلَه الهَلاكَ، ويُعقِبُ ديارَهم الخَرابَ؛ فاللهُ تعالى لمَّا خَصَّ عَمَلَهم بوصفِ الظُّلمِ مِن بَينِ عِدَّةِ أحوالٍ يشتَمِلُ عليها كُفرُهم، كالفسادِ، كان ذلك إشارةً إلى أنَّ للظُّلمِ أثَرًا في خَرابِ بلادِهم .
ويُروى أنَّ رَجُلًا مِن أهلِ الكِتابِ قال لابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهما: إنَّ في التَّوراةِ: مَن يظلِمْ يخرَبْ بَيتَه، فقال ابنُ عَبَّاسٍ: (وهذا في القُرآنِ؛ قال الله تعالى: فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ [النمل: 52 - 53] .
وقال ابنُ خَلدونَ: (الظُّلمُ مُؤذِنٌ بخَرابِ العُمرانِ) .
9- الظُّلمُ عاقِبَتُه النَّارُ:
عن خَولةَ الأنصاريَّةِ رَضِيَ اللهُ عنها قالت: سَمِعتُ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يقولُ: ((إنَّ رِجالًا يتَخوَّضونَ في مالِ اللهِ بغَيرِ حَقٍّ، فلهم النَّارُ يومَ القيامةِ)) ، قال ابنُ حَجَرٍ: (قَولُه: يتَخوَّضونَ - بالمُعجَمَتينِ- في مالِ اللهِ بغَيرِ حَقٍّ، أي: يتَصَرَّفونَ في مالِ المُسلمينَ بالباطِلِ) .
10- الظُّلمُ يُؤَدِّي إلى العَداوةِ والبَغضاءِ.
11 - الظُّلمُ يتَسَبَّبُ في عَدَمِ انتِظامِ مَصالحِ الخَلقِ.
الدرر السنية
----------------------------
مشاهدة جميع مواضيع zoro1