آدابُ الإنفاقِ3
التَّوسُّطُ بَينَ الإسرافِ والتَّقتيرِ
مِن أدَبِ الإنفاقِ: التَّوسُّطُ والاعتِدالُ بَينَ الإسرافِ والتَّقتيرِ، والتَّبذيرِ والتَّقصيرِ.
الدَّليلُ على ذلك مِنَ الكِتابِ والسُّنَّةِ:
أ- مِنَ الكِتابِ
1- قال تعالى في صِفاتِ عِبادِ الرَّحمَنِ: وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا [الفرقان: 67] .
(أي: ليسوا بمُبَذِّرينَ في إنفاقِهم فيَصرِفونَ فوقَ الحاجةِ، ولا بُخَلاءَ على أهليهم فيُقَصِّرونَ في حَقِّهم فلا يَكفونَهم، بَل عَدلًا خيارًا، وخَيرُ الأُمورِ أوسَطُها، لا هذا ولا هذا) .
2- قال تعالى: وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا * إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا * وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا * وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا [الإسراء: 26-29] .
ب- مِنَ السُّنَّةِ
1- عن عَمرِو بنِ شُعَيبٍ، عن أبيه، عن جَدِّه رَضِيَ اللهُ عنه، قال: قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((كُلوا وتَصَدَّقوا والبَسوا في غَيرِ إسرافٍ ولا مَخيلةٍ ).
قال الموفَّقُ عبدُ اللَّطيفِ البغداديُّ: (هذا الحديثُ جامِعٌ لفضائِلِ تدبيرِ الإنسانِ نَفسَه، وفيه تدبيرُ مصالحِ النَّفسِ والجَسَدِ في الدُّنيا والآخِرةِ؛ فإنَّ السَّرَفَ في كُلِّ شيءٍ يَضُرُّ بالجسَدِ، ويَضُرُّ بالمعيشةِ، فيؤدِّي إلى الإتلافِ، ويَضُرُّ بالنَّفسِ؛ إذ كانت تابعةً للجَسَدِ في أكثَرِ الأحوالِ، والمَخِيلةُ تَضُرُّ بالنَّفسِ؛ حيثُ تَكسِبُها العُجبَ، وتَضُرُّ بالآخِرةِ؛ حيثُ تَكسِبُ الإثمَ، وبالدُّنيا؛ حيثُ تَكسِبُ المقْتَ من النَّاسِ) .
2- عن عَطاءِ بنِ السَّائِبِ، عن أبيه، قال: صَلَّى بنا عَمَّارُ بنُ ياسِرٍ صَلاةً، فأوجَزَ فيها، فقال له بَعضُ القَومِ: لَقد خَفَّفتَ أو أوجَزتَ الصَّلاةَ! فقال: أمَّا على ذلك فقد دَعَوتُ فيها بدَعَواتٍ سَمِعتُهنَّ مِن رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فلَمَّا قامَ تَبعَه رَجُلٌ مِنَ القَومِ -هو أبي، غَيرَ أنَّه كَنَّى عن نَفسِه- فسَألَه عنِ الدُّعاءِ، ثُمَّ جاءَ فأخبَرَ به القَومَ: ((اللَّهُمَّ بعِلمِك الغَيبَ، وقُدرَتِك على الخَلقِ، أحيِني ما عَلِمتَ الحَياةَ خَيرًا لي، وتوَفَّني إذا عَلِمتَ الوفاةَ خَيرًا لي، اللَّهُمَّ وأسألُك خَشيَتَك في الغَيبِ والشَّهادةِ، وأسألُك كَلِمةَ الحَقِّ في الرِّضا والغَضَبِ، وأسألُك القَصدَ في الفَقرِ والغِنى، وأسألُك نَعيمًا لا يَنفَدُ، وأسألُك قُرَّة عَينٍ لا تَنقَطِعُ، وأسألُك الرِّضاءَ بَعدَ القَضاءِ، وأسألُك بَردَ العَيشِ بَعدَ المَوتِ، وأسألُك لَذَّةَ النَّظَرِ إلى وَجهِك، والشَّوقَ إلى لقائِك في غَيرِ ضَرَّاءَ مُضِرَّةٍ، ولا فِتنةٍ مُضِلَّةٍ، اللَّهُمَّ زيِّنا بزينةِ الإيمانِ، واجعَلْنا هُداةً مُهتَدينَ)).
قال المُناويُّ: («وأسألُك القَصدَ» أي: التَّوسُّطَ «في الغِنى والفَقرِ»، وهو الذي ليسَ مَعَه إسرافٌ ولا تَقتيرٌ؛ فإنَّ الغِنى يَبسُطُ اليَدَ، ويُطغي النَّفسَ، والفَقرُ يَكادُ أن يَكونَ كُفرًا، فالتَّوسُّطُ هو المَحبوبُ المَطلوبُ) .
وقال الشَّوكانيُّ: (قَولُه: «والقَصدَ في الفَقرِ والغِنى» القَصدُ في كُتُبِ اللُّغةِ: بمَعنى استِقامةِ الطَّريقِ والاعتِدالِ، وبمَعنى ضِدِّ الإفراطِ، وهو المُناسِبُ هنا؛ لأنَّ بَطَرَ الغِنى رُبَّما جَرَّ إلى الإفراطِ، وعَدَمَ الصَّبرِ على الفَقرِ رُبَّما أوقَعَ في التَّفريطِ، فالقَصدُ فيهما هو الطَّريقةُ القَويمةُ) .
وقال ابنُ رَجَبٍ: (وأمَّا القَصدُ في الفقرِ والغِنى فهو عَزيزٌ، وهو حالُ الرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؛ كان مُقتَصِدًا في حالِ فَقرِه وغِناه.
والقَصدُ: هو التَّوسُّطُ في الإنفاقِ؛ فإن كان فقيرًا لم يُقَتِّرْ خَوفًا مِن نَفادِ الرِّزقِ، ولم يُسرِفْ فيَحمِلَ ما لا طاقةَ له به، كما أدَّب اللَّهُ تعالى نَبيَّه بذلك في قَولِه تعالى: وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا [الإسراء: 29] .
وإن كان غَنيًّا لم يَحمِلْه غِناه على السَّرَفِ والطُّغيانِ، بَل يَكونُ مُقتَصِدًا أيضًا، قال اللهُ تعالى: وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا [الفرقان: 67] .
وإن كان المُؤمِنُ في حالِ غِناه يَزيدُ على نَفقَتِه في حالِ فقرِه، كَما قال بَعضُ السَّلفِ: إنَّ المُؤمِنَ يَأخُذُ عنِ اللهِ أدَبًا حَسَنًا، إذا وسَّعَ اللَّهُ عليه وسَّعَ على نَفسِه، وإذا ضَيَّقَ عليه ضَيَّقَ على نَفسِه، ثُمَّ تَلا قَولَه تعالى: لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ [الطلاق: 7] .
لكِن يَكونُ في حالِ غِناه مُقتَصِدًا غَيرَ مُسرِفٍ، كَما يَفعَلُه أكثَرُ أهلِ الغِنى الذينَ يُخرِجُهمُ الغِنى إلى الطُّغيانِ، كَما قال تعالى: كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى [العلق: 6 - 7] ) .
3- عن سَعدِ بنِ أبي وقَّاصٍ رَضِيَ اللهُ عنه، قال: ((كان رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَعودُني عامَ حَجَّةِ الوداعِ مِن وجَعٍ اشتَدَّ بي، فقُلتُ: إنِّي قد بَلَغَ بي مِنَ الوجَعِ، وأنا ذو مالٍ، ولا يَرِثُني إلَّا ابنةٌ، أفأتَصَدَّقُ بثُلُثَي مالي؟ قال: لا، فقُلتُ: بالشَّطرِ؟ فقال: لا، ثُمَّ قال: الثُّلثُ، والثُّلثُ كَبيرٌ -أو كَثيرٌ- إنَّك أن تَذَرَ ورَثَتَك أغنياءَ خَيرٌ مِن أن تَذَرَهم عالةً يَتَكَفَّفونَ النَّاسَ، وإنَّك لن تُنفِقَ نَفقةً تَبتَغي بها وَجهَ اللهِ إلَّا أُجِرتَ بها، حتَّى ما تَجعَلُ في في امرَأتِك)) .
تَركُ المَنِّ والأذى
مِن أدَبِ الإنفاقِ: تَركُ المَنِّ به، وعَدَمُ إتباعِه بأذًى.
الدَّليلُ على ذلك مِنَ الكِتابِ والسُّنَّةِ:
أ- مِنَ الكِتابِ
قال تعالى: الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ [البقرة: 262 - 264] .
أي: الذينَ يُنفِقونَ أموالَهم في طاعةِ اللهِ وسَبيلِه، ولا يُتبِعونَها بما يَنقُصُها ويُفسِدُها مِنَ المَنِّ بها على المُنفَقِ عليه بالقَلبِ أو باللِّسانِ، بأن يُعَدِّدَ عليه إحسانَه، ويَطلُبَ مِنه مُقابَلتَه، ولا أذيَّةٍ له قَوليَّةٍ أو فِعليَّةٍ، فهؤلاء لهم أجرُهمُ اللَّائِقُ بهم، ولا خَوفٌ عليهم ولا هم يَحزَنونَ، فحَصَل لهمُ الخَيرُ واندَفعَ عنهمُ الشَّرُّ؛ لأنَّهم عَمِلوا عَمَلًا خالصًا للهِ سالِمًا مِنَ المُفسِداتِ.
قَوْلٌ مَعْرُوفٌ أي: تَعرِفُه القُلوبُ ولا تُنكِرُه، ويَدخُلُ في ذلك كُلُّ قَولٍ كَريمٍ فيه إدخالُ السُّرورِ على قَلبِ المُسلمِ، ويَدخُلُ فيه رَدُّ السَّائِلِ بالقَولِ الجَميلِ والدُّعاءِ له وَمَغْفِرَةٌ لمَن أساءَ إليك بتَركِ مُؤاخَذَتِه والعَفوِ عنه، ويَدخُلُ فيه العَفوُ عَمَّا يَصدُرُ مِنَ السَّائِلِ مِمَّا لا يَنبَغي، فالقَولُ المَعروفُ والمَغفِرةُ خَيرٌ مِنَ الصَّدَقةِ التي يَتبَعُها أذًى؛ لأنَّ القَولَ المَعروفَ إحسانٌ قَوليٌّ، والمَغفِرةُ إحسانٌ أيضًا بتَركِ المُؤاخَذةِ، وكِلاهما إحسانٌ ما فيه مُفسِدٌ، فهما أفضَلُ مِنَ الإحسانِ بالصَّدَقةِ التي يَتبَعُها أذًى بمَنٍّ أو غَيرِه، ومَفهومُ الآيةِ أنَّ الصَّدَقةَ التي لا يَتبَعُها أذًى أفضَلُ مِنَ القَولِ المَعروفِ والمَغفِرةِ، وإنَّما كان المَنُّ بالصَّدَقةِ مُفسِدًا لها مُحَرَّمًا؛ لأنَّ المِنَّةَ للهِ تعالى وحدَه، والإحسانَ كُلَّه للَّهِ، فالعَبدُ لا يَمُنُّ بنعمةِ اللهِ وإحسانِه وفَضلِه وهو ليسَ مِنه، وأيضًا فإنَّ المانَّ مُستَعبِدٌ لمَن يَمُنُّ عليه، والذُّلُّ والاستِعبادُ لا يَنبَغي إلَّا للَّهِ، واللهُ غَنيٌّ بذاتِه عن جَميعِ مَخلوقاتِه، وكُلُّها مُفتَقِرةٌ إليه بالذَّاتِ في جَميعِ الحالاتِ والأوقاتِ، فصَدَقتُكُم وإنفاقُكُم وطاعاتُكُم يَعودُ مَصلحَتُها إليكُم ونَفعُها إليكُم.
وقَولُه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ [البقرة: 264] .
يَنهى تعالى عِبادَه لُطفًا بهم ورَحمةً عن إبطالِ صَدَقاتِهم بالمَنِّ والأذى؛ ففيه أنَّ المَنَّ والأذى يُبطِلُ الصَّدَقةَ، ويُستَدَلُّ بهذا على أنَّ الأعمالَ السَّيِّئةَ تُبطِلُ الأعمالَ الحَسَنةَ، كما قال تعالى: وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ؛ فكما أنَّ الحَسَناتِ يُذهِبنَ السَّيِّئاتِ، فالسَّيِّئاتُ تُبطِلُ ما قابَلها مِنَ الحَسَناتِ، وفي هذه الآيةِ مَعَ قَولِه تعالى: وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ حَثٌّ على تَكميلِ الأعمالِ وحِفظِها مِن كُلِّ ما يُفسِدُها؛ لئَلَّا يَضيعَ العَمَلُ سُدًى، وقَولُه: كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، أي: أنتم وإن قَصَدتُم بذلك وَجهَ اللهِ في ابتِداءِ الأمرِ، فإنَّ المِنَّةَ والأذى مُبطِلانِ لأعمالِكم، فتَصيرُ أعمالُكُم بمَنزِلةِ الذي يَعمَلُ لمُراءاةِ النَّاسِ، ولا يُريدُ به اللَّهَ والدَّارَ الآخِرةَ، فهذا لا شَكَّ أنَّ عَمَلَه مِن أصلِه مَردودٌ؛ لأنَّ شَرطَ العَمَلِ أن يَكونَ للهِ وحدَه، وهذا في الحَقيقةِ عَمَلٌ للنَّاسِ لا للَّهِ، فأعمالُه باطِلةٌ، وسَعيُه غَيرُ مَشكورٍ، فمَثَلُه المُطابِقُ لحالِه كَمَثَلِ صَفْوَانٍ وهو الحَجَرُ الأملَسُ الشَّديدُ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ أي: مَطَرٌ غَزيرٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا أي: ليس عليه شَيءٌ مِنَ التُّرابِ، فكذلك حالُ هذا المُرائي؛ قَلبُه غَليظٌ قاسٍ بمَنزِلةِ الصَّفوانِ، وصَدَقَتُه ونَحوُها مِن أعمالِه بمَنزِلةِ التُّرابِ الذي على الصَّفوانِ، إذا رَآه الجاهلُ بحالِه ظَنَّ أنَّه أرضٌ زَكيَّةٌ قابِلةٌ للنَّباتِ، فإذا انكَشَفت حَقيقةُ حالِه زال ذلك التُّرابُ وتَبَيَّنَ أنَّ عَمَلَه بمَنزِلةِ السَّرابِ، وأنَّ قَلبَه غَيرُ صالحٍ لنَباتِ الزَّرعِ وزَكائِه عليه، بَل الرِّياءُ الذي فيه والإراداتُ الخَبيثةُ تَمنَعُ مِنِ انتِفاعِه بشَيءٍ مِن عَمَلِه؛ فلهذا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِن أعمالِهمُ التي اكتَسَبوها؛ لأنَّهم وضَعوها في غَيرِ مَوضِعِها، وجَعَلوها لمَخلوقٍ مِثلِهم لا يَملكُ لهم ضَرَرًا ولا نَفعًا، وانصَرَفوا عن عِبادةِ مَن تَنفعُهم عِبادَتُه؛ فصَرَف اللَّهُ قُلوبَهم عنِ الهدايةِ؛ فلهذا قال: وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرينَ .
فذَكَر اللهُ أربَعَ مَراتِبَ للإحسانِ: المَرتَبةُ العُليا: النَّفَقةُ الصَّادِرةُ عن نيَّةٍ صالحةٍ، ولم يُتبِعْها المُنفِقُ مَنًّا ولا أذًى.
ثُمَّ يَليها قَولُ المَعروفِ، وهو: الإحسانُ القَوليُّ بجَميعِ وُجوهِه، الذي فيه سُرورُ المُسلمِ، والاعتِذارُ مِنَ السَّائِلِ إذا لم يوافِقْ عِندَه شَيئًا، وغَيرُ ذلك مِن أقوالِ المَعروفِ.
والثَّالثةُ: الإحسانُ بالعَفوِ والمَغفِرةِ عَمَّن أساءَ إليك بقَولٍ أو فِعلٍ.
وهذان أفضَلُ مِنَ الرَّابعةِ، وخَيرٌ مِنها، وهي التي يُتبِعُها المُتَصَدِّقُ الأذى للمُعطى؛ لأنَّه كَدَّرَ إحسانَه، وفعَل خَيرًا وشَرًّا.
فالخَيرُ المَحضُ -وإن كان مَفضولًا- خَيرٌ مِنَ الخَيرِ الذي يُخالِطُه شَرٌّ وإن كان فاضِلًا، وفي هذا التَّحذيرُ العَظيمُ لمَن يُؤذي مَن تَصَدَّق عليه، كما فعَلَه أهلُ اللُّؤمِ والحُمقِ والجَهلِ .
ب- مِنَ السُّنَّةِ
عن أبي ذرٍّ عن النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((ثلاثةٌ لا يُكَلِّمُهم اللهُ يومَ القيامةِ، ولا ينظُرُ إليهم ولا يُزَكِّيهم ولهم عذابٌ أليمٌ. قال: فقرأها رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ثلاثَ مِرارٍ، قال أبو ذرٍّ: خابوا وخَسِروا! من هم يا رسولَ اللهِ؟ قال: المُسبِلُ، والمنَّانُ، والمُنَفِّقُ سِلعتَه بالحَلِفِ الكاذِبِ)) .
وفي رِوايةٍ: ((ثَلاثةٌ لا يُكَلِّمُهمُ اللهُ يَومَ القيامةِ: المَنَّانُ الذي لا يُعطي شَيئًا إلَّا مَنَّه، والمُنَفِّقُ سِلعَتَه بالحَلِفِ الفاجِرِ، والمُسبِلُ إزارَه )) .
قال أبو العبَّاسِ القُرطبيُّ: (المَنَّانُ: فَعَّالٌ مِن المَنِّ، وقد فسَّره في الحديثِ، فقال: "هو الذي لا يُعطي شيئًا إلَّا مَنَّه"، أي: إلَّا امتَنَّ به على المعطى له، ولا شَكَّ في أنَّ الامتنانَ بالعطاءِ مُبطِلٌ لأجرِ الصَّدَقةِ والعطاءِ، مؤذٍ للمُعطى له؛ ولذلك قال تعالى: لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى [البقرة: 264] .
وإنَّما كان المَنُّ كذلك؛ لأنَّه لا يكونُ -غالبًا- إلَّا عن البُخلِ، والعُجبِ، والكِبرِ، ونِسيانِ مِنَّةِ اللهِ تعالى فيما أنعَمَ به عليه) .
الدرر السنية
التَّوسُّطُ بَينَ الإسرافِ والتَّقتيرِ
مِن أدَبِ الإنفاقِ: التَّوسُّطُ والاعتِدالُ بَينَ الإسرافِ والتَّقتيرِ، والتَّبذيرِ والتَّقصيرِ.
الدَّليلُ على ذلك مِنَ الكِتابِ والسُّنَّةِ:
أ- مِنَ الكِتابِ
1- قال تعالى في صِفاتِ عِبادِ الرَّحمَنِ: وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا [الفرقان: 67] .
(أي: ليسوا بمُبَذِّرينَ في إنفاقِهم فيَصرِفونَ فوقَ الحاجةِ، ولا بُخَلاءَ على أهليهم فيُقَصِّرونَ في حَقِّهم فلا يَكفونَهم، بَل عَدلًا خيارًا، وخَيرُ الأُمورِ أوسَطُها، لا هذا ولا هذا) .
2- قال تعالى: وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا * إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا * وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا * وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا [الإسراء: 26-29] .
ب- مِنَ السُّنَّةِ
1- عن عَمرِو بنِ شُعَيبٍ، عن أبيه، عن جَدِّه رَضِيَ اللهُ عنه، قال: قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((كُلوا وتَصَدَّقوا والبَسوا في غَيرِ إسرافٍ ولا مَخيلةٍ ).
قال الموفَّقُ عبدُ اللَّطيفِ البغداديُّ: (هذا الحديثُ جامِعٌ لفضائِلِ تدبيرِ الإنسانِ نَفسَه، وفيه تدبيرُ مصالحِ النَّفسِ والجَسَدِ في الدُّنيا والآخِرةِ؛ فإنَّ السَّرَفَ في كُلِّ شيءٍ يَضُرُّ بالجسَدِ، ويَضُرُّ بالمعيشةِ، فيؤدِّي إلى الإتلافِ، ويَضُرُّ بالنَّفسِ؛ إذ كانت تابعةً للجَسَدِ في أكثَرِ الأحوالِ، والمَخِيلةُ تَضُرُّ بالنَّفسِ؛ حيثُ تَكسِبُها العُجبَ، وتَضُرُّ بالآخِرةِ؛ حيثُ تَكسِبُ الإثمَ، وبالدُّنيا؛ حيثُ تَكسِبُ المقْتَ من النَّاسِ) .
2- عن عَطاءِ بنِ السَّائِبِ، عن أبيه، قال: صَلَّى بنا عَمَّارُ بنُ ياسِرٍ صَلاةً، فأوجَزَ فيها، فقال له بَعضُ القَومِ: لَقد خَفَّفتَ أو أوجَزتَ الصَّلاةَ! فقال: أمَّا على ذلك فقد دَعَوتُ فيها بدَعَواتٍ سَمِعتُهنَّ مِن رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فلَمَّا قامَ تَبعَه رَجُلٌ مِنَ القَومِ -هو أبي، غَيرَ أنَّه كَنَّى عن نَفسِه- فسَألَه عنِ الدُّعاءِ، ثُمَّ جاءَ فأخبَرَ به القَومَ: ((اللَّهُمَّ بعِلمِك الغَيبَ، وقُدرَتِك على الخَلقِ، أحيِني ما عَلِمتَ الحَياةَ خَيرًا لي، وتوَفَّني إذا عَلِمتَ الوفاةَ خَيرًا لي، اللَّهُمَّ وأسألُك خَشيَتَك في الغَيبِ والشَّهادةِ، وأسألُك كَلِمةَ الحَقِّ في الرِّضا والغَضَبِ، وأسألُك القَصدَ في الفَقرِ والغِنى، وأسألُك نَعيمًا لا يَنفَدُ، وأسألُك قُرَّة عَينٍ لا تَنقَطِعُ، وأسألُك الرِّضاءَ بَعدَ القَضاءِ، وأسألُك بَردَ العَيشِ بَعدَ المَوتِ، وأسألُك لَذَّةَ النَّظَرِ إلى وَجهِك، والشَّوقَ إلى لقائِك في غَيرِ ضَرَّاءَ مُضِرَّةٍ، ولا فِتنةٍ مُضِلَّةٍ، اللَّهُمَّ زيِّنا بزينةِ الإيمانِ، واجعَلْنا هُداةً مُهتَدينَ)).
قال المُناويُّ: («وأسألُك القَصدَ» أي: التَّوسُّطَ «في الغِنى والفَقرِ»، وهو الذي ليسَ مَعَه إسرافٌ ولا تَقتيرٌ؛ فإنَّ الغِنى يَبسُطُ اليَدَ، ويُطغي النَّفسَ، والفَقرُ يَكادُ أن يَكونَ كُفرًا، فالتَّوسُّطُ هو المَحبوبُ المَطلوبُ) .
وقال الشَّوكانيُّ: (قَولُه: «والقَصدَ في الفَقرِ والغِنى» القَصدُ في كُتُبِ اللُّغةِ: بمَعنى استِقامةِ الطَّريقِ والاعتِدالِ، وبمَعنى ضِدِّ الإفراطِ، وهو المُناسِبُ هنا؛ لأنَّ بَطَرَ الغِنى رُبَّما جَرَّ إلى الإفراطِ، وعَدَمَ الصَّبرِ على الفَقرِ رُبَّما أوقَعَ في التَّفريطِ، فالقَصدُ فيهما هو الطَّريقةُ القَويمةُ) .
وقال ابنُ رَجَبٍ: (وأمَّا القَصدُ في الفقرِ والغِنى فهو عَزيزٌ، وهو حالُ الرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؛ كان مُقتَصِدًا في حالِ فَقرِه وغِناه.
والقَصدُ: هو التَّوسُّطُ في الإنفاقِ؛ فإن كان فقيرًا لم يُقَتِّرْ خَوفًا مِن نَفادِ الرِّزقِ، ولم يُسرِفْ فيَحمِلَ ما لا طاقةَ له به، كما أدَّب اللَّهُ تعالى نَبيَّه بذلك في قَولِه تعالى: وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا [الإسراء: 29] .
وإن كان غَنيًّا لم يَحمِلْه غِناه على السَّرَفِ والطُّغيانِ، بَل يَكونُ مُقتَصِدًا أيضًا، قال اللهُ تعالى: وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا [الفرقان: 67] .
وإن كان المُؤمِنُ في حالِ غِناه يَزيدُ على نَفقَتِه في حالِ فقرِه، كَما قال بَعضُ السَّلفِ: إنَّ المُؤمِنَ يَأخُذُ عنِ اللهِ أدَبًا حَسَنًا، إذا وسَّعَ اللَّهُ عليه وسَّعَ على نَفسِه، وإذا ضَيَّقَ عليه ضَيَّقَ على نَفسِه، ثُمَّ تَلا قَولَه تعالى: لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ [الطلاق: 7] .
لكِن يَكونُ في حالِ غِناه مُقتَصِدًا غَيرَ مُسرِفٍ، كَما يَفعَلُه أكثَرُ أهلِ الغِنى الذينَ يُخرِجُهمُ الغِنى إلى الطُّغيانِ، كَما قال تعالى: كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى [العلق: 6 - 7] ) .
3- عن سَعدِ بنِ أبي وقَّاصٍ رَضِيَ اللهُ عنه، قال: ((كان رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَعودُني عامَ حَجَّةِ الوداعِ مِن وجَعٍ اشتَدَّ بي، فقُلتُ: إنِّي قد بَلَغَ بي مِنَ الوجَعِ، وأنا ذو مالٍ، ولا يَرِثُني إلَّا ابنةٌ، أفأتَصَدَّقُ بثُلُثَي مالي؟ قال: لا، فقُلتُ: بالشَّطرِ؟ فقال: لا، ثُمَّ قال: الثُّلثُ، والثُّلثُ كَبيرٌ -أو كَثيرٌ- إنَّك أن تَذَرَ ورَثَتَك أغنياءَ خَيرٌ مِن أن تَذَرَهم عالةً يَتَكَفَّفونَ النَّاسَ، وإنَّك لن تُنفِقَ نَفقةً تَبتَغي بها وَجهَ اللهِ إلَّا أُجِرتَ بها، حتَّى ما تَجعَلُ في في امرَأتِك)) .
تَركُ المَنِّ والأذى
مِن أدَبِ الإنفاقِ: تَركُ المَنِّ به، وعَدَمُ إتباعِه بأذًى.
الدَّليلُ على ذلك مِنَ الكِتابِ والسُّنَّةِ:
أ- مِنَ الكِتابِ
قال تعالى: الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ [البقرة: 262 - 264] .
أي: الذينَ يُنفِقونَ أموالَهم في طاعةِ اللهِ وسَبيلِه، ولا يُتبِعونَها بما يَنقُصُها ويُفسِدُها مِنَ المَنِّ بها على المُنفَقِ عليه بالقَلبِ أو باللِّسانِ، بأن يُعَدِّدَ عليه إحسانَه، ويَطلُبَ مِنه مُقابَلتَه، ولا أذيَّةٍ له قَوليَّةٍ أو فِعليَّةٍ، فهؤلاء لهم أجرُهمُ اللَّائِقُ بهم، ولا خَوفٌ عليهم ولا هم يَحزَنونَ، فحَصَل لهمُ الخَيرُ واندَفعَ عنهمُ الشَّرُّ؛ لأنَّهم عَمِلوا عَمَلًا خالصًا للهِ سالِمًا مِنَ المُفسِداتِ.
قَوْلٌ مَعْرُوفٌ أي: تَعرِفُه القُلوبُ ولا تُنكِرُه، ويَدخُلُ في ذلك كُلُّ قَولٍ كَريمٍ فيه إدخالُ السُّرورِ على قَلبِ المُسلمِ، ويَدخُلُ فيه رَدُّ السَّائِلِ بالقَولِ الجَميلِ والدُّعاءِ له وَمَغْفِرَةٌ لمَن أساءَ إليك بتَركِ مُؤاخَذَتِه والعَفوِ عنه، ويَدخُلُ فيه العَفوُ عَمَّا يَصدُرُ مِنَ السَّائِلِ مِمَّا لا يَنبَغي، فالقَولُ المَعروفُ والمَغفِرةُ خَيرٌ مِنَ الصَّدَقةِ التي يَتبَعُها أذًى؛ لأنَّ القَولَ المَعروفَ إحسانٌ قَوليٌّ، والمَغفِرةُ إحسانٌ أيضًا بتَركِ المُؤاخَذةِ، وكِلاهما إحسانٌ ما فيه مُفسِدٌ، فهما أفضَلُ مِنَ الإحسانِ بالصَّدَقةِ التي يَتبَعُها أذًى بمَنٍّ أو غَيرِه، ومَفهومُ الآيةِ أنَّ الصَّدَقةَ التي لا يَتبَعُها أذًى أفضَلُ مِنَ القَولِ المَعروفِ والمَغفِرةِ، وإنَّما كان المَنُّ بالصَّدَقةِ مُفسِدًا لها مُحَرَّمًا؛ لأنَّ المِنَّةَ للهِ تعالى وحدَه، والإحسانَ كُلَّه للَّهِ، فالعَبدُ لا يَمُنُّ بنعمةِ اللهِ وإحسانِه وفَضلِه وهو ليسَ مِنه، وأيضًا فإنَّ المانَّ مُستَعبِدٌ لمَن يَمُنُّ عليه، والذُّلُّ والاستِعبادُ لا يَنبَغي إلَّا للَّهِ، واللهُ غَنيٌّ بذاتِه عن جَميعِ مَخلوقاتِه، وكُلُّها مُفتَقِرةٌ إليه بالذَّاتِ في جَميعِ الحالاتِ والأوقاتِ، فصَدَقتُكُم وإنفاقُكُم وطاعاتُكُم يَعودُ مَصلحَتُها إليكُم ونَفعُها إليكُم.
وقَولُه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ [البقرة: 264] .
يَنهى تعالى عِبادَه لُطفًا بهم ورَحمةً عن إبطالِ صَدَقاتِهم بالمَنِّ والأذى؛ ففيه أنَّ المَنَّ والأذى يُبطِلُ الصَّدَقةَ، ويُستَدَلُّ بهذا على أنَّ الأعمالَ السَّيِّئةَ تُبطِلُ الأعمالَ الحَسَنةَ، كما قال تعالى: وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ؛ فكما أنَّ الحَسَناتِ يُذهِبنَ السَّيِّئاتِ، فالسَّيِّئاتُ تُبطِلُ ما قابَلها مِنَ الحَسَناتِ، وفي هذه الآيةِ مَعَ قَولِه تعالى: وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ حَثٌّ على تَكميلِ الأعمالِ وحِفظِها مِن كُلِّ ما يُفسِدُها؛ لئَلَّا يَضيعَ العَمَلُ سُدًى، وقَولُه: كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، أي: أنتم وإن قَصَدتُم بذلك وَجهَ اللهِ في ابتِداءِ الأمرِ، فإنَّ المِنَّةَ والأذى مُبطِلانِ لأعمالِكم، فتَصيرُ أعمالُكُم بمَنزِلةِ الذي يَعمَلُ لمُراءاةِ النَّاسِ، ولا يُريدُ به اللَّهَ والدَّارَ الآخِرةَ، فهذا لا شَكَّ أنَّ عَمَلَه مِن أصلِه مَردودٌ؛ لأنَّ شَرطَ العَمَلِ أن يَكونَ للهِ وحدَه، وهذا في الحَقيقةِ عَمَلٌ للنَّاسِ لا للَّهِ، فأعمالُه باطِلةٌ، وسَعيُه غَيرُ مَشكورٍ، فمَثَلُه المُطابِقُ لحالِه كَمَثَلِ صَفْوَانٍ وهو الحَجَرُ الأملَسُ الشَّديدُ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ أي: مَطَرٌ غَزيرٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا أي: ليس عليه شَيءٌ مِنَ التُّرابِ، فكذلك حالُ هذا المُرائي؛ قَلبُه غَليظٌ قاسٍ بمَنزِلةِ الصَّفوانِ، وصَدَقَتُه ونَحوُها مِن أعمالِه بمَنزِلةِ التُّرابِ الذي على الصَّفوانِ، إذا رَآه الجاهلُ بحالِه ظَنَّ أنَّه أرضٌ زَكيَّةٌ قابِلةٌ للنَّباتِ، فإذا انكَشَفت حَقيقةُ حالِه زال ذلك التُّرابُ وتَبَيَّنَ أنَّ عَمَلَه بمَنزِلةِ السَّرابِ، وأنَّ قَلبَه غَيرُ صالحٍ لنَباتِ الزَّرعِ وزَكائِه عليه، بَل الرِّياءُ الذي فيه والإراداتُ الخَبيثةُ تَمنَعُ مِنِ انتِفاعِه بشَيءٍ مِن عَمَلِه؛ فلهذا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِن أعمالِهمُ التي اكتَسَبوها؛ لأنَّهم وضَعوها في غَيرِ مَوضِعِها، وجَعَلوها لمَخلوقٍ مِثلِهم لا يَملكُ لهم ضَرَرًا ولا نَفعًا، وانصَرَفوا عن عِبادةِ مَن تَنفعُهم عِبادَتُه؛ فصَرَف اللَّهُ قُلوبَهم عنِ الهدايةِ؛ فلهذا قال: وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرينَ .
فذَكَر اللهُ أربَعَ مَراتِبَ للإحسانِ: المَرتَبةُ العُليا: النَّفَقةُ الصَّادِرةُ عن نيَّةٍ صالحةٍ، ولم يُتبِعْها المُنفِقُ مَنًّا ولا أذًى.
ثُمَّ يَليها قَولُ المَعروفِ، وهو: الإحسانُ القَوليُّ بجَميعِ وُجوهِه، الذي فيه سُرورُ المُسلمِ، والاعتِذارُ مِنَ السَّائِلِ إذا لم يوافِقْ عِندَه شَيئًا، وغَيرُ ذلك مِن أقوالِ المَعروفِ.
والثَّالثةُ: الإحسانُ بالعَفوِ والمَغفِرةِ عَمَّن أساءَ إليك بقَولٍ أو فِعلٍ.
وهذان أفضَلُ مِنَ الرَّابعةِ، وخَيرٌ مِنها، وهي التي يُتبِعُها المُتَصَدِّقُ الأذى للمُعطى؛ لأنَّه كَدَّرَ إحسانَه، وفعَل خَيرًا وشَرًّا.
فالخَيرُ المَحضُ -وإن كان مَفضولًا- خَيرٌ مِنَ الخَيرِ الذي يُخالِطُه شَرٌّ وإن كان فاضِلًا، وفي هذا التَّحذيرُ العَظيمُ لمَن يُؤذي مَن تَصَدَّق عليه، كما فعَلَه أهلُ اللُّؤمِ والحُمقِ والجَهلِ .
ب- مِنَ السُّنَّةِ
عن أبي ذرٍّ عن النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((ثلاثةٌ لا يُكَلِّمُهم اللهُ يومَ القيامةِ، ولا ينظُرُ إليهم ولا يُزَكِّيهم ولهم عذابٌ أليمٌ. قال: فقرأها رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ثلاثَ مِرارٍ، قال أبو ذرٍّ: خابوا وخَسِروا! من هم يا رسولَ اللهِ؟ قال: المُسبِلُ، والمنَّانُ، والمُنَفِّقُ سِلعتَه بالحَلِفِ الكاذِبِ)) .
وفي رِوايةٍ: ((ثَلاثةٌ لا يُكَلِّمُهمُ اللهُ يَومَ القيامةِ: المَنَّانُ الذي لا يُعطي شَيئًا إلَّا مَنَّه، والمُنَفِّقُ سِلعَتَه بالحَلِفِ الفاجِرِ، والمُسبِلُ إزارَه )) .
قال أبو العبَّاسِ القُرطبيُّ: (المَنَّانُ: فَعَّالٌ مِن المَنِّ، وقد فسَّره في الحديثِ، فقال: "هو الذي لا يُعطي شيئًا إلَّا مَنَّه"، أي: إلَّا امتَنَّ به على المعطى له، ولا شَكَّ في أنَّ الامتنانَ بالعطاءِ مُبطِلٌ لأجرِ الصَّدَقةِ والعطاءِ، مؤذٍ للمُعطى له؛ ولذلك قال تعالى: لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى [البقرة: 264] .
وإنَّما كان المَنُّ كذلك؛ لأنَّه لا يكونُ -غالبًا- إلَّا عن البُخلِ، والعُجبِ، والكِبرِ، ونِسيانِ مِنَّةِ اللهِ تعالى فيما أنعَمَ به عليه) .
الدرر السنية