حُكمُ الغِيبةِ وما يُباحُ منها وضوابِطُ الإباحةِ

zoro1

مراقب عام المنتديات الاسلامية
طاقم الإدارة
إنضم
2026/03/15
المشاركات
427
مستوى التفاعل
0
حُكمُ الغِيبةِ وما يُباحُ منها وضوابِطُ الإباحةِ

689764172.gif


حُكمُ الغِيبةِ وما يُباحُ منها وضوابِطُ الإباحةِ

قال ابنُ كثيرٍ: (والغِيبةُ محَرَّمةٌ بالإجماعِ، ولا يُستثنى من ذلك إلَّا ما رجَحَت مصلحتُه، كما في الجَرحِ والتَّعديلِ، والنَّصيحةِ) .

وعَدَّ ابن حجر الهيتمي الغِيبةَ من الكبائِرِ؛ حيثُ قال: (الذي دلَّت عليه الدَّلائِلُ الكثيرةُ الصَّحيحةُ الظَّاهرةُ أنَّها كبيرةٌ، لكِنَّها تختَلِفُ عِظَمًا وضِدَّه بحَسَبِ اختِلافِ مَفسدتِها. وقد جعلَها مَن أُوتي جوامِعَ الكَلِمِ عديلةَ غَصبِ المالِ وقَتلِ النَّفسِ، بقَولِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((كُلُّ المُسلِمِ على المُسلِمِ حرامٌ: دَمُه، ومالُه، وعِرْضُه)) ، والغَصبُ والقَتلُ كبيرتانِ إجماعًا، فكذا ثَلْمُ العِرْضِ) .

وحُكِيَ الإجماعُ على أنَّها من الكبائِرِ، لكِنْ نُقِل الخِلافُ، وإذا لم يَثبُتِ الإجماعُ فلا أقَلَّ من التَّفصيلِ؛ فمَن اغتاب وليًّا للهِ أو عالِمًا ليس كمَن اغتاب مجهولَ الحالةِ مَثَلًا، وقد قالوا: ضابِطُها ذِكرُ الشَّخصِ بما يَكرَهُ، وهذا يختَلِفُ باختلافِ ما يُقالُ فيه، وقد يشتَدُّ تأذِّيه بذلك، وأذى المُسلِمِ مُحَرَّمٌ .

ما يباحُ من الغِيبةِ:
قال النَّوويُّ: (اعلَمْ أنَّ الغِيبةَ تُباحُ لغرَضٍ صَحيحٍ شَرعيٍّ لا يمكِنُ الوُصولُ إليه إلَّا بها، وهو سِتَّةُ أبوابٍ:

الأوَّلُ: التَّظَلُّمُ، فيجوزُ للمظلومِ أن يتظَلَّمَ إلى السُّلطانِ والقاضي وغيرِهما ممَّا له ولايةٌ أو قُدرةٌ على إنصافِه من ظالِمِه، فيقولَ: ظلَمَني فلانٌ كذا.

الثَّاني: الاستِعانةُ على تغييرِ المُنكَرِ ورَدِّ العاصي إلى الصَّوابِ، فيقولُ لِمن يرجو قدرتَه على إزالةِ المُنكَرِ: فُلانٌ يَعمَلُ كذا؛ فازجُرْه عنه.

الثَّالِثُ: الاستِفتاءُ، فيقولُ للمُفتي: ظلَمَني أبي، أو أخي، أو زَوجي، أو فلانٌ بكذا.

الرَّابعُ: تحذيرُ المُسلِمين من الشَّرِّ ونصيحتُهم.

الخامِسُ: أن يكونَ مجاهِرًا بفِسقِه أو بِدعتِه، كالمجاهِرِ بشُربِ الخَمرِ، ومُصادرةِ النَّاسِ، وأخذِ المَكْسِ، وغيرِها.

السَّادِسُ: التَّعريفُ، فإذا كان الإنسانُ معروفًا بلَقَبِ الأعمشِ والأعرَجِ والأصَمِّ والأعمى والأحوَلِ، وغيرِهم، جاز تعريفُهم بذلك.
فهذه سِتَّةُ أسبابٍ ذَكَرها العُلَماءُ، وأكثَرُها مجمَعٌ عليها، دلائِلُها من الأحاديثِ الصَّحيحةِ مشهورةٌ) .

ضوابِطُ إباحةِ الغِيبةِ:

للغِيبةِ التي أباحها الشَّرعُ لأغراضٍ صحيحةٍ ضوابِطُ ينبغي مراعاتُها، ومن هذه الضَّوابِطِ:

(1- الإخلاصُ للهِ تعالى في النِّيَّةِ، فلا تَقُلْ ما أبيحَ لك من الغِيبةِ تشَفِّيًا لغيظٍ، أو نيلًا من أخيك، أو تنقيصًا منه.

2- عدَمُ تعيينِ الشَّخصِ ما أمكنك ذلك.

3- أن تَذكُرَ أخاك بما فيه، بما يباحُ لك، ولا تفتَحْ لنفسِك بابَ الغِيبةِ على مِصراعَيه، فتذكُرَ ما تشتهي نفسُك من عُيوبِه.

4- التَّأكُّدُ من عَدَمِ وُقوعِ مفسَدةٍ أكبَرَ من هذه الفائدةِ) .
(ويُشتَرَطُ في هذا البابِ أن تكونَ الحاجةُ ماسَّةً لذلك، وأن يقتَصِرَ النَّاصِحُ من العُيوبِ على ما يُخِلُّ بتلك المصلحةِ خاصَّةً، التي حصلت المشاوَرةُ فيها، أو التي يعتقِدُ النَّاصحُ أنَّ المنصوحَ شَرَع فيها، أو هو على عَزمِ ذلك، فينصَحُه وإن لم يستَشِرْه؛ فإنَّ حِفظَ مالِ الإنسانِ وعِرضِه ودَمِه عليك واجِبٌ، وإن لم يَعرِضْ لك بذلك فالشَّرطُ الأوَّلُ احترازٌ من ذِكرِ عُيوبِ النَّاس ِمُطلَقًا؛ لجوازِ أن يقَعَ بَيْنَهما من المخالطةِ ما يقتضي ذلك، فهذا حرامٌ لا يجوزُ إلَّا عِندَ مَسيسِ الحاجةِ، ولولا ذلك لأبيحَت الغِيبةُ مُطلَقًا؛ لأنَّ الجوازَ قائمٌ في الكُلِّ، والشَّرطُ الثَّاني احترازٌ من أن يُستشارَ في أمرِ الزَّوجِ فيَذكُرَ العيوبَ المُخِلَّةَ بمصلحةِ الزَّواجِ، والعُيوبَ المُخِلَّةَ بالشَّرِكةِ والمساقاةِ، أو يُستشارَ في السَّفَرِ معه فيَذكُرَ العُيوبَ المخِلَّةَ بمصلحةِ السَّفَرِ، والعُيوبَ المُخِلَّةَ بالزَّواجِ؛ فالزِّيادةُ على العيوبِ المخِلَّةِ بما استُشيرَ فيه حرامٌ، مثلًا إن كفى نحوُ: لا يصلُحُ لك، لم يَزِدْ عليه، وإن توقَّف على ذِكرِ عَيبٍ ذَكَرَه، ولا تجوزُ الزِّيادةُ عليه، أو عَيبينِ اقتصر عليهما، وهكذا؛ لأنَّ ذلك كإباحةِ المَيْتةِ للمُضطَرِّ، فلا يجوزُ تناوُلُ شيءٍ منها إلَّا بقَدرِ الضَّرورةِ، ويُشتَرَطُ أن يقصِدَ بذلك بَذْلَ النَّصيحةِ لوَجهِ اللهِ تعالى دونَ حَظٍّ آخَرَ، وكثيرًا ما يَغفُلُ الإنسانُ عن ذلك، فيُلَبِّسُ عليه الشَّيطانُ، ويحمِلُه على التَّكَلُّمِ به حينَئذٍ لا نُصحًا، ويُزَيِّنَ له أنَّه نُصحٌ وخَيرٌ)

3dlat.com_09_19_7166_7de158f2a8c316.gif



التَّوبةُ مِن الغِيبةِ

يجِبُ على مَن وقع في الغِيبةِ التَّوبةُ، بالإقلاعِ عن الغِيبةِ، والنَّدَمِ على فِعلِها، والعَزمِ ألَّا يعودَ إليها، وأن يَستَحِلَّ من اغتابه، ويَطلُبَ عَفوَه عنها، والإبراءَ منها.

قال الغزاليُّ: (اعلَمْ أنَّ الواجِبَ على المغتابِ أن يندمَ ويتوبَ ويتأسَّفَ على ما فَعَله؛ ليَخرُجَ به مِن حَقِّ اللهِ سُبحانَه، ثمَّ يَستَحِلُّ المغتابَ ليُحِلَّه فيَخرُجَ من مَظلمتِه) .

ومن أهلِ العِلمِ مَن فَصَّل، فقال: إن كان من اغتابه قد عَلِم بذلك فلا بُدَّ من أن يَستَحِلَّه، أمَّا إذا لم يَعلَمْ فيكفي أن يستغفِرَ له، وأن يُثنيَ عليه في المجالِسِ التي كان يغتابُه فيها؛ فإن كان صاحبُ الغِيبةِ مَيِّتًا أو غائِبًا فقد تعذَّر تحصيلُ البراءةِ منها، لكِنْ قال العُلَماءُ: ينبغي أن يُكثِرَ من الاستغفارِ له والدُّعاءِ، ويُكثِرَ من الحَسَناتِ .

قال السَّمَرْقَنديُّ: (قد تكَلَّم النَّاسُ في توبةِ المُغتابِ: هل تجوزُ من غيرِ أن يَستَحِلَّ مِن صاحِبِه؟ قال بعضُهم: يجوزُ، وقال بعضُهم: لا يجوزُ ما لم يَستَحِلَّ مِن صاحِبِه.

وهو عِندَنا على وَجهَينِ: إن كان ذلك القولُ قد بلغ إلى الذي اغتابه، فتوبتُه أن يستَحِلَّ منه، وإن لم يبلُغْ فلْيَستغفِرِ اللهَ تعالى ويُضمِرَ ألَّا يعودَ إلى مِثْلِه.

ورُوِيَ أنَّ رَجُلًا أتى ابنَ سِيرينَ فقال: إنِّي اغتَبْتُك فاجعَلْني في حِلٍّ. فقال: وكيف أحِلُّ ما حرَّم اللهُ؟! فكأنَّه أشار إليه بالاستغفارِ والتَّوبةِ إلى اللهِ تعالى، مع استِحلالِه منه.

فأمَّا إذا لم تبلُغْ إلى صاحِبِه تلك الغِيبةُ، فتوبتُه أن يستغفِرَ اللهَ تعالى ويتوبَ إليه، ولا يخبِرَ صاحِبَه، فهو أحسَنُ؛ لكي لا يشتَغِلَ قَلبُه به) .
و(قال حُذيفةُ: كُفَّارةُ مَن اغتَبْتَه أن تستغفِرَ له. وقال عبدُ اللهِ بنُ المبارَكِ لسُفيانَ بنِ عُيَينةَ: التَّوبةُ من الغِيبةِ أن تستغفِرَ لِمن اغتَبْتَه، قال سُفيانُ: بل تستغفِرُه ممَّا قُلتَ فيه، قال ابنُ المبارَكِ: لا تُؤذِه مَرَّتينِ) .
وقال ابنُ القَيِّمِ: (والصَّحيحُ أنَّه لا يحتاجُ إلى إعلامِه، بل يكفيه الاستغفارُ، وذِكرُه بمحاسِنِ ما فيه في المواطِنِ التي اغتابه فيها، وهذا اختيارُ شيخِ الإسلامِ ابنِ تَيميَّةَ وغيرِه. والذين قالوا: لا بُدَّ من إعلامِه جعَلوا الغِيبةَ كالحقوقِ الماليَّةِ، والفَرْقُ بَيْنَهما ظاهِرٌ؛ فإنَّ الحقوقَ الماليَّةَ ينتَفِعُ المظلومُ بعَودِ نظيرِ مَظلمتِه إليه، فإن شاء أخذَها، وإن شاء تصدَّق بها، وأمَّا في الغِيبةِ فلا يمكِنُ ذلك، ولا يحصُلُ له بإعلامِه إلَّا عَكسُ مقصودِ الشَّارعِ... فإنَّه يوغِرُ صَدرَه ويؤذيه إذا سَمِع ما رُمِيَ به، ولعَلَّه يُهَيِّجُ عداوتَه ولا يصفو له أبدًا، وما كان هذا سبيلَه فإنَّ الشَّارِعَ الحكيمَ... لا يبيحُه ولا يُجَوِّزُه فَضلًا عن أن يوجِبَه ويأمُرَ به، ومدارُ الشَّريعةِ على تعطيلِ المفاسِدِ وتقليلِها، لا على تحصيلِها وتكميلِها) .



3dlat.com_09_19_7166_7de158f2a8c316.gif



من الوسائِلِ المُعينةِ على تَركِ الغِيبةِ والبُعدِ عنها ما يلي:

1- التَّقرُّبُ إلى اللهِ سُبحانَه وتعالى بكَثرةِ الأعمالِ الصَّالحةِ، وتقديمِ رِضاه على رِضا المخلوقينَ.

2- زيادةُ الإيمانِ وتقويتُه بالعِلمِ النَّافِعِ، والعَمَلِ الصَّالحِ.

3- أن ينشَغِلَ الإنسانُ بالبَحثِ عن عيوبِه، ويَكُفَّ عن عُيوبِ الآخَرين وتتَبُّعِها.
قال
يجب عليك تسجيل الدخول او تسجيل لمشاهدة الرابط المخفي
: (ويمنَعُك عن الغِيبةِ أمرٌ لو تفكَّرْتَ فيه، وهو أن تنظُرَ في نفسِك: هل فيك عيبٌ ظاهِرٌ أو باطِنٌ؟ وهل أنت مُقارِفٌ مَعصيةً سِرًّا أو جهرًا؟ فإذا عرَفْتَ ذلك من نفسِك فاعلَمْ أنَّ عَجزَه عن التَّنزُّهِ عمَّا نسَبْتَه إليه كعَجْزِك، وعُذرَه كعُذرِك! وكما تَكرَهُ أن تُفتَضَحَ وتُذكَرَ عُيوبُك، فهو أيضًا يَكرَهُه؛ فإنْ ستَرْتَه سَتَر اللهُ عليك عُيوبَك، وإن فضَحْتَه سلَّط اللهُ عليك ألسِنةً حِدادًا يُمَزِّقون عِرْضَك في الدُّنيا، ثمَّ يفضَحُك اللهُ في الآخِرةِ على رُؤوسِ الخلائِقِ يومَ القيامةِ.
وإن نظَرْتَ إلى ظاهِرِك وباطِنِك فلم تطَّلِعْ فيهما على عَيبٍ ونقصٍ في دينٍ ولا دُنيا، فاعلَمْ أنَّ جهلَك بعُيوبِ نفسِك أقبَحُ أنواعِ الحماقةِ، ولا عَيبَ أعظَمُ من الحُمقِ، ولو أراد اللهُ بك خيرًا لبصَّرَك بعيوبِ نفسِك، فرؤيتُك نفسَك بعينِ الرِّضا غايةُ غباوتِك وجَهلِك. ثمَّ إن كنتَ صادِقًا في ظَنِّك فاشكُرِ اللهَ تعالى عليه ولا تُفسِدْه بثَلبِ النَّاسِ، والتَّمضمُضِ بأعراضِهم؛ فإنَّ ذلك من أعظَمِ العُيوبِ) .
وقال عَونُ بنُ عبدِ اللهِ: (ما أحسَبُ أحَدًا تفرَّغ لعُيوبِ النَّاسِ إلَّا من غَفلةٍ غَفَلَها عن نفسِه) .

4- اختيارُ الصُّحبةِ الصَّالحةِ التي تُقَرِّبُك من اللهِ وتُبعِدُك عن المعاصي، والابتعادُ عن رِفاقِ السُّوءِ.

5- تربيةُ الفردِ تربيةً إسلاميَّةً سَليمةً قائمةً على الآدابِ والتَّعاليمِ الإسلاميَّةِ.

6- استِغلالُ وَقتِ الفراغِ بما ينفَعُ الفَردَ ويُقَوِّي إيمانَه، ويُقَرِّبُه إلى اللهِ سُبحانَه وتعالى من طاعاتٍ وعباداتٍ، وانشِغالٍ بالعِلمِ.

7- قناعةُ الإنسانِ بما رزقه اللهُ، وشُكرُه له عليها، وأن يَعلَمَ أنَّ ما عِندَ اللهِ خيرٌ وأبقى.

8- أن يَضَعَ الإنسانُ نفسَه مكانَ الشَّخصِ الذي اغتيبَ، فيُحِبَّ له ما يحِبُّ لنفسِه، ويَكرَهَ له ما يكرَهُه لنفسِه، فإذا كان لا يرضى لنفسِه أن يُغتابَ، فينبغي أن لا يرضى لغيرِه ما لا يرضاه لنفسِه.

9- كَظمُ الغَيظِ والصَّبرُ على الغَضَبِ؛ فإنَّه إذا لم يكظِمْ غيظَه وانساق وراءَ غَضَبِه، اندفع للغِيبةِ.

10- الابتعادُ عن كُلِّ ما يؤدِّي به إلى الغِيبةِ، وقَطعُ جميعِ الأسبابِ الباعثةِ على الغِيبةِ، كالغَضَبِ والحَسَدِ.

11- أن يَعلَمَ أنَّه تعَرَّضَ لسَخَطِ اللهِ تعالى بغِيبتِه، وأنَّها محبِطةٌ لحسَناتِه يومَ القيامةِ.

12- أن يَعلَمَ أنَّ العَيبَ الذي يغتابُ به صاحِبَه إن كان أمرًا خِلْقِيًّا فالذَّمُّ له ذَمٌّ للخالِقِ؛ فإنَّ من ذَمَّ صَنعةً فقد ذمَّ صانِعَها



الدرر السنية
 
----------------------------
مشاهدة جميع مواضيع zoro1
lGPsaFq.gif

a994eba700d558dee8dd433e1a107da6.jpg
 
شكرا لك على المجهود الطيب
 
عودة
أعلى