تُفتتح السورة بمقدمة مختصرة جدًا في إطار التنبيه على الصراع بين الحق والباطل: ﴿حم * تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ * غَافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ * مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ﴾ [غافر: 1-4].
وهذه المقدمة مشحونة غاية الشحن، ومن أهم ملامح هذا الشحن:
إثبات نبوة النبي ﷺ من خلال إثبات نزول القرآن عليه الذي هو آيته على نبوته، وهو الأمي الذي لم يَتْلُ قبل هذا كتابًا ولم يخطه بيمينه.
فتح الباب بين المذنبين ومنزِّل هذا الكتاب إن شاءوا التوبة والرجوع، وهو معنى فُصِّل في سورة الزمر: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًاإِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: 53]. وأُجمل هنا، مع تأكيد التهديد والوعيد: ﴿أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَىٰ مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ * أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ * أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ المحسنين [الزمر: 56-58].
التأكيد على أن الله يُمْهِل ولا يُهْمِل، فمهما أُرْخِيَ للإنسان طُولُه، فهو مأخوذ لا محالة: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ﴾ [الجمعة: 8]، ﴿وَأَنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ الْمُنتَهَىٰ﴾ [النجم: 42]، ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَاد ِ﴾ [الفجر: 14].
أن الجدال والتكذيب بالآيات سِمَةُ من حقت عليهم العقوبة وكُتب عليهم الكفر قدرًا مقدورًا، فمآلهم معروف ومسارهم مألوف، ولن يكونوا استثناءً من سنن الله في المكذبين والجاحدين.
وبعد هذا العرض الموجز والتلخيص الشديد الاختصار والاكتناز، يأتي متن السورة مكوّنًا من مجموعة قضايا تتعلق بهذه المعاني وتؤكدها وتقوّيها.
وتبدأ السورة بعد المقدمة بالآتي:
ذكر قصص المكذبين
تذكر السورة أول ما تذكر قصص عدد من الأنبياء ورد ذكرهم في سور أخرى، فتُجمل القصص كما أجملتها في سورة “ص”: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزَابُ مِن بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ﴾ [غافر: 5]، لتؤكد:
عزيمة الرسل على تبليغ الرسالة.
سنة المكذبين في الجدال بالباطل.
سنة الله في المكذبين بالإهلاك.
ومن خلال هذا الإيجاز توصل رسالة لمشركي مكة أنهم لن يكونوا استثناءً من هذا السياق العام، ومن هذه السنة الخالدة.
ورغم قصر المقطع، فإن التعقيب عليه يوحي بالمقصد الاعتباري من إيراد القصص في القرآن؛ ذلك ليعلم المؤمنون والمكذبون المآلات، ولذلك يختصر السياق القرآني في عرض مآل المكذبين: ﴿وَكَذَٰلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ [غافر: 6]. ويلتفت لحال ومآل المتقين، فاصلًا بينه وبين حسرة المكذبين يوم الحسرة، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُو نَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ [غافر: 7].
حتى إذا أنهى الخبر عنهم، عاد للحديث عن حسرة المكذبين: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِن مَّقْتِكُمْ أَنفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ﴾ [غافر: 10].
وتتقابل الصورتان: صورة من تستغفر له الملائكة وتدعو له، وصورة من تلعنه وتوبخه.
وفي سياق القصص أيضًا تأتي قصة موسى وفرعون، وهي من أكثر القصص تكرارًا في القرآن لكثرة العبر فيها والدلالات، وقوة التشابه بين جبروت فرعون وملئه وجبروت قريش في مقابل الضعف المادي للنبي ﷺ أمام هذا الجبروت، رغم تأكيد القرآن على أن المآل للنصر والتمكين لا محالة.
وتركز قصة موسى هنا على جبروت فرعون وغطرسته، ومقابلته الحجة بالاستكبار، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ * إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ * فَلَمَّا جَاءَهُم بِالْحَقِّ مِنْ عِندِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ ۚ وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ [غافر: 23-25].
ويؤكد القرآن – رغم هذا الجبروت – أن فرعون وكيده وجبروته وقوته في خسار دائم، ويبرز ذلك في صور متعددة:
الإشارة إلى عجز فرعون عن موسى حتى جعل يستأذن حاشيته في قتله: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَىٰ وَلْيَدْعُ رَبَّهُ﴾ [غافر: 26].
الإشارة إلى عجز فرعون وهو مدعي الألوهية، عن الإنجاز: (وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَّعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ﴾ [غافر: 36].
تأكيد جهل فرعون رغم ادعائه العلم بكذب موسى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَىٰ وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ﴾ [غافر: 26]، ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ [غافر: 37].
الإشارة إلى تسرب الإيمان إلى حاشيته وجهله بذلك: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ﴾ [غافر: 28].
عجزه عن الإضرار بهذا الرجل الذي يكتم إيمانه: ﴿فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا ۖ وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ﴾ [غافر: 45].
وآخر هذه الصور تصوير المكذبين من آل فرعون في جهنم يتحاجون، حيث قال تعالى: ﴿فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِّنَ النَّارِ﴾ [غافر: 47]، والحقيقة النهائية: ﴿إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ﴾ [غافر: 48]، ﴿وَلَن يَنفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذ ظَّلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الزخرف: 39].
قوة المؤمنين أمام كبرياء فرعون
في هذه السورة تأتي قصة مؤمن آل فرعون، وهي قصة فريدة في القرآن حتى سميت السورة باسمه “سورة المؤمن”، وتتلخص قصة هذا المؤمن المتخفي فيما يأتي:
أنه من آل فرعون: فليس من بني إسرائيل المستضعفين، وإنما هو من علية القوم.
أنه يكتم إيمانه: والواضح أن كتمانه له ليس بدافع الخوف الذاتي على نفسه من بطش فرعون كما يقع للمسلمين زمن نزول هذه السورة في مكة، بل لمصالح دعوية على ما يبدو، فقد يؤثر في فرعون باللين والقرب والنصح فيستميله للإيمان، ويشهد لذلك خطابه.
أنه يقوم بدور نعيم بن مسعود في التخذيل، فهو يخذّل عن موسى بحجج رعاية مصلحة فرعون: ﴿وَإِن يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ ۖ وَإِن يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾ [غافر: 28].
أنه يقدم الحجاج بمنطق عقلي ومصلحي: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾ [غافر: 28].
يبدو أصلب حين يشتد الصراع ويُظن أنه خاف، فيأتي أقوى وأصلب عودًا: ﴿لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ [غافر: 43].
فهذا الرجل المؤمن، بما أخذ من أسباب في تخفيه عن فرعون، وبما نصحه في خفاء، وبما وجّهه بعقلانية، لم ينحت من إيمانه معايشة الكفر وأهله، ولم تؤثر مساكنة الكافرين ومعايشتهم في عقيدته وصفاء سريرته، ولم يُخِفْه تخويفهم، ولم تُرعبه قوتهم، فلم يكن تخفيه جبنًا ولا خورًا، وإنما كان لمصلحة، وحين لم تتحقق بدا قويًّا جلدًا صبورًا مؤمنًا شجاعًا متوكلًا محفوظًا؛ وبالتالي كانت العاقبة له والدائرة على خصومه: ﴿فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ﴾ [غافر: 45].
التأكيد على السنن الإلهية في نصر المؤمنين وهلاك المكذبين
يبرز هذا المعنى في السورة من خلال القصص والتعقيبات وفي معظم جزئيات السورة تقريبًا؛ لأن النقطة المراد إبرازها هي تخويف الكفار وتثبيت المؤمنين، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ * يَوْمَ لَا يَنفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ [غافر: 51–52].
التأكيد على مضامين الرسالة النبوية من صدق النبي والإيمان بالبعث والجزاء
السورة كلها حشد لهذا المعنى وتأكيد له وبيان للسنن في المصدقين والمكذبين، إغراءً بالإيمان وتثبيتًا للمؤمن وتهديدًا للمكذب ليعتبر، لذلك كان هذا المعنى حاضرًا في السورة كلها، ففيه ذكر الإيمان بأركانه الستة: الإيمان بالله، وبالملائكة، وبالكتب، وبالرسل، وباليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره.
الإيمان بالله
وهو أوسع مجالات الإيمان في القرآن كله، وفي هذه السورة كذلك؛ فقد بدأت بذكر إنزاله للكتاب، ووُصف بالعزة والعلم، والمغفرة للمذنبين، والقبول من التائبين: ﴿تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزيزِ الْعَلِيمِ * غَافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ [غافر: 2-3]. وذكّر بصفات ربوبيته التي يعترف بها المشركون، لتكون مدخلًا لصفات ألوهيته التي ينكرونها: ﴿ذَٰلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِن يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ * هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُم مِّنَ السَّمَاءِ رِزْقًا وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَن يُنِيبُ * فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [غافر: 12-14].
وذكّر بنعمه الظاهرة التي لا يقدر عليها غيره، وتقضي الفطرة أن تُقابَل بالشكر لا بالكفر: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ * ذَٰلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لَّا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ﴾ [غافر: 61-62]. ﴿ذَٰلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ ۖ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ * هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [غافر: 64-65]. ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعَامَ لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ [غافر: 79].
وقد وُصِف الله في هذه السورة بصفات: العزيز، العليم، الغافر، قابل التوب، شديد العقاب، ذو الطول، لا إله إلا هو، الرب، واسع العلم والرحمة، الواقي، الحكيم، له الحكم، وهو العلي الكبير، رفيع الدرجات، الواحد القهار، سريع الحساب، يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، العدل القاضي بالحق، السميع، البصير، القوي، الهادي، المضل، الغفار، الحكم، الناصر، المعيذ، خالق كل شيء، ومدبر كل شيء، ذو الفضل على الناس، المصوِّر، الرزاق، الحي، له الملك وله الحمد، المحيي، المميت، الذي لا معقب لأمره.
يبرز ذلك في آيات عدة من السورة التي تتحدث عن التنزيل والرسالات السابقة وغيرها، مثل قوله تعالى: ﴿تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [غافر: 2]، ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَىٰ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [غافر: 15]، ومعلوم أن الروح هو الوحي وهو المضمَّن في الكتب: ﴿وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ﴾ [غافر: 53]، ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ﴾ [غافر: 70].
الإيمان بالرسل
ويتضح هذا المعنى أيضًا في الآيات التالية من سورة غافر:
وهو يركز على أمر الصَّرْف والصدّ، وأن الأمر كله بيد الله، يضل من يشاء ويهدي من يشاء، وينصر من شاء ويخذل من شاء، ويكفي من شاء ما شاء، ويسلط على من شاء ما شاء، لا رادَّ لأمره، ولا معقِّب لحكمه. وتؤكد الآيات التالية من سورة غافر هذا المعنى: ﴿مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [غافر: 4]. فمن كُتب عليه الكفر هو المجادل المستمر في جداله. ولذلك ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ أَنَّىٰ يُصْرَفُونَ﴾ [غافر: 69]. ويؤكد نفس المعنى ﴿فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ * كَذَٰلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كَانُوا بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [غافر: 62-63].
تؤكد خاتمة السورة ماجاء في السورة كلها، في مقدمتها وفي ثناياها من أن ما حاق بالأولين لاحق بالآخرين، وأن الإيمان محله وقت الاختيار لا وقت نزول العذاب، وأن سنن الله سبحانه وتعالى ماضية لا تستثني أحدًا، وأن الخاسر هو الكافر، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ * فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ﴾ [غافر: 84- 85]. وفي ذلك إشارة لربح المؤمنين ونجاهم وفوزهم بمطلوبهم.